قصة عبد الله بن الزبير ومعاوية بن أبي سفيان – درس في الحلم والعفو

من أجمل القصص التي تُروى عن الحلم وسعة الصدر في التاريخ الإسلامي قصة جرت بين عبد الله بن الزبير رضي الله عنه ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، وتكشف كيف يمكن للحكمة وضبط النفس أن يغيّرا مسار موقف كان يمكن أن يتحول إلى خصومة كبيرة.

كان لعبد الله بن الزبير رضي الله عنه مزرعة في المدينة، وكانت إلى جوارها مزرعة يملكها معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، الذي كان خليفة المسلمين في دمشق.

وفي أحد الأيام، دخل بعض عمال مزرعة معاوية إلى مزرعة ابن الزبير، ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك، فقد تكرر دخولهم في أيام سابقة. أثار الأمر غضب عبد الله بن الزبير، وخصوصًا أن العلاقة بين الرجلين لم تكن خالية من الخلاف.

فقرر ابن الزبير أن يكتب إلى معاوية في دمشق، وكانت رسالته شديدة اللهجة، قال فيها:

من عبدالله ابن الزبير إلى معاوية ابن هند آكلة الأكباد أما بعد فإنّ عمالك دخلوا إلى مزرعتي فمرهم بالخروج منها أو فوالذي لا إله إلا هو ليكوننّ لي معك شأن .

وصلت الرسالة إلى معاوية، فقرأها بهدوء. وكان معاوية معروفًا بالحلم وطول الأناة، فلم يتعامل مع الكلمات الغاضبة بالمثل، بل أراد أن يعرف رأي ابنه يزيد فيما حدث.

فقال له:

ما رأيك في ابن الزبير أرسل لي يهددني

فأجابه يزيد:

أرسل له جيشاً أوله عنده وآخره عندك يأتيك برأسه

لكن معاوية لم يأخذ بهذا الرأي، واختار طريقًا آخر يقوم على الحلم وصلة الرحم، وقال:

بل خيرٌ من ذلك زكاةً وأقربَ رُحما

ثم كتب معاوية رسالة إلى عبد الله بن الزبير، وكانت كلماته مختلفة تمامًا عن الرسالة التي وصلته. فلم يرد على الغضب بغضب، ولا على التهديد بالتهديد، وإنما اختار أن ينهي الخلاف بكلمات تدل على سعة الصدر وكرم النفس.

وجاء في رسالته:

من معاوية بن أبي سفيان إلى عبدالله بن الزبير ابن أسماء ذات النطاقين أما بعد فوالله لو كانت الدنيا بيني وبينك لسلّمتها إليك ولو كانت مزرعتي من المدينة إلى دمشق لدفعتها إليك . فإذا وصلك كتابي هذا فخذ مزرعتي إلى مزرعتك وعمّالي إلى عمّالك فإن جنّة الله عرضها السموات والأرض .

كانت لهذه الكلمات وقع كبير في نفس عبد الله بن الزبير. فبدل أن تستمر الخصومة، انقلب الموقف كله إلى مودة وتأثر.

فلما قرأ ابن الزبير الرسالة، بكى حتى بلّ لحيته بالدموع، ثم سافر إلى دمشق للقاء معاوية. وعندما وصل إليه، قبّل رأسه وقال له:

لا أعدمك الله حُلماً أحلّك في قريش هذا المحل

درس من القصة

تكمن روعة هذه القصة في أن الكلمة الهادئة استطاعت أن تفعل ما لا تستطيع القوة أن تفعله. فقد بدأ الموقف بغضب ورسالة شديدة اللهجة، وكان يمكن أن يتطور إلى خصومة أكبر، لكن الحلم والعفو غيّرا اتجاه الأحداث تمامًا.

وتبقى القصة مثالًا بليغًا على أثر ضبط النفس في التعامل مع الخلافات، وعلى أن الرد الكريم قد يكون أقوى من الرد القاسي، وأن التسامح في كثير من الأحيان يفتح بابًا للمحبة بعد أن كان الخلاف يهدد بقطيعة.

وهكذا تحولت حادثة صغيرة حول مزرعة وعمال إلى قصة تُروى عن الحلم والعفو وكرم النفس، وتبقى فيها عبارة معاوية: «فإن جنّة الله عرضها السموات والأرض» من أبرز ما يلفت النظر إلى المعنى الذي أراد أن ينهي به الخصومة.




Alladin.net


المزيد عن قصة عبد الله بن الزبير ومعاوية بن أبي سفيان – درس في الحلم والعفو

المزيد من المقالات

واجهه المكتبه تفتح على شكل كتاب!

واجهه المكتبه تفتح على شكل كتاب!