حكمة مشروعية الزواج
حكمة مشروعية الزواج ( سكن النفس - إنجاب الأولاد - التكامل الإنساني ) 1- السكن النفسي :- الآيات القرآنية التي تتحدث عن الزواج تنقسم
من أهم ما يسبق الزواج مسألة رؤية المخطوبة قبل الخطبة، وهي رخصة نبوية تساعد الخاطب على اتخاذ قراره بناء على معرفة حقيقية لا على وصف مجرد، وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أسسها، وطبّقها الصحابي جابر بن عبد الله عملياً حين خطب فتاة فتحرى النظر إليها قبل أن يقدم على الزواج.

حدد النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو هريرة عنه أربعة دوافع تجذب الرجل إلى خطبة المرأة:
تنكح المرأة لأربع : لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فأظفر بذات الدين تربت يداك
هذه الأمور الأربعة ليست حصراً لكل ما يُرغَّب فيه عند الاختيار، فقد وردت أحاديث أخرى تدعو إلى صفات إضافية غير هذه الأربع، منها الود والقدرة على الإنجاب.
الودود الولود
وورد أيضاً وصف للزوجة الصالحة بأنها من تسر زوجها عند النظر إليها، وتحفظ نفسها وماله في غيابه، وتطيعه في أمره:
إذا نظر اليها سرته وإذا غاب عنه حفظته ، وإذا أمرها أطاعته
وسأل النبي صلى الله عليه وسلم أحد صحابته عن حال زوجته، وجاء في الحديث:
أتزوجت بكراً أم ثيباً فقال : هلا تزوجت بكراً تلاعبها وتلاعبك ؟
كما حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من أن يكون الجمال أو المال وحدهما معيار الاختيار، ورجّح تقديم الدين عليهما:
لا تزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن يرديهن ولا تزوجوهن لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن ولكن تزوجوهن على الدين ولامة سوداء ذات دين أفضل
الرؤية هي أحد أسباب الاختيار، فالإنسان يرى ثم يوازن فيختار، ثم يقدم على الخطبة أو يحجم عنها بناء على ما رآه. وقد أذن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك صراحة:
إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل
وقد طبّق الصحابي جابر بن عبد الله هذه الرخصة عملياً، فروى بنفسه تجربته:
فخطبت جارية أي فتاة فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها فتزوجتها
كلمة "الخطبة" في اللغة تعني طلب الزواج، وهي المرحلة التي تسبق عقد النكاح، وفيها يتحقق الخاطب من الطرف الآخر قبل الارتباط النهائي.
لم تحدد الأحاديث حداً دقيقاً لموضع النظر، وهذا الإطلاق واضح في قول النبي صلى الله عليه وسلم "أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها"، وواضح كذلك في قول جابر:
كنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها
فجابر لم يكن يتخبأ إلا إذا أراد إطالة النظر والتدقيق فيه، ما دام ذلك يسبقه نية خالصة وقلب سليم، وهو ينظر إلى ما يحصل به المقصود من النظر. ويُستدل على فهم بعض الصحابة لسعة هذا الباب بما رُوي أن عمر كشف عن ساق أم كلثوم بنت علي حين أرسلها علي إليه لينظر إليها، ومن ثم قد يرى بعض العلماء أن النظر لا يقتصر على الوجه والكفين فقط، بينما يذهب جمهور الفقهاء إلى الاقتصار عليهما ما لم يتضح دافع أقوى لتوسيع النظر. ولا يشترط رضا المرأة أو علمها بذلك، بل يجوز أن يكون النظر على غفلتها.
ويشترط الفقهاء في هذا الباب ألا يفضي النظر الشرعي إلى خلوة محرمة بين الخاطب والمخطوبة، فإباحة النظر لا تبيح الانفراد بها دون محرم.
إذا لم يتمكن الخاطب من النظر إليها مباشرة، فقد استُحب أن يبعث امرأة يثق بها لتنظر إليها وتخبره بصفتها، وقد روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أم سليم إلى امرأة وقال لها:
أنظري إلى عرقوبها وشمي معطفها
والمعاطف هي ناحيتا العنق، أما العرقوب فهو موضع في مؤخر القدم فوق الكعب، وكان طلب النظر إليه وسيلة للتحقق من صحة البدن وسلامته. والأصل تحريم نظر الأجنبي إلى الأجنبية إلا بدليل، وهذا الدليل هو ما تضافرت عليه الأحاديث النبوية من جواز نظر الرجل لمن يريد خطبتها.
قبل طلب الرؤية الشرعية، ينبغي أن تكون نية الزواج جادة ومحددة، ويُستحسن أن يستعين الخاطب بمحرم أو بامرأة ثقة عند تعذر اللقاء المباشر، حتى تتحقق الفائدة من الرؤية دون الوقوع في محظور شرعي.