يا قدس ( عبد الرحمن العشماوي )



  • ما كلُّ مَنْ نطقوا الحروفَ أبانوا

  • فلقد يَذوبُ بما يقولُ لسانُ

  • لغة الوفاءِ شريفةٌ كلماتُها

  • فيها عن الحبِّ الأصيلِ بَيانُ

  • يسمو بها صدقُ الشعور إلى الذُّرا

  • ويزُفُّ عِطْرَ حروفها الوجدانُ

  • لغةٌ تَرَقْرَقَ في النفوس جمالُها

  • وتألَّقتْ بجلالها الأَذهانُ

  • يجري بها شعري إليكم مثلما

  • يجري إلى المتفضِّل العِرْفانُ

  • لغةُ الوفاء، ومَنْ يجيد حروفَها

  • إلا الخبير الحاذق الفنَّانُ؟

  • أرسلتُها شعراً يُحاط بموكبٍ

  • من لهفتي، وتزفُّه الألحانُ

  • ويزفُّه صدقُ الشعور وإِنَّما

  • بالصدق يرفع نفسَه الإِنسانُ

  • أرسلتُ شعري والسَّفينةُ لم تزلْ

  • في البحر، حار بأمرها الرُّبَّانُ

  • والقدس أرملةٌ يلفِّعها الأسى

  • وتُميت بهجةَ قلبها الأحزانُ

  • شلاَّلُ أَدْمُعِها على دفَقاته

  • ثار البخار فغامت الأَجفانُ

  • حسناءُ صبَّحها العدوُّ بمدفعٍ

  • تَهوي على طلقاته الأركانُ

  • أَدْمَى مَحاجرها الرَّصاص ولم تزلْ

  • شمَّاءَ ضاق بصبرها العُدوانُ

  • لْقَى إليها السَّامريُّ بعجله

  • وبذاتِ أَنواطٍ زَهَا الشَّيْطَانُ

  • نَسي المكابرُ أنَّ عِجْلَ ضلالِه

  • سيذوب حين َتَمُّسه النيرانُ

  • حسناءُ، داهمَها الشِّتاءُ، ودارُها

  • مهدومةٌ، ورضيعُها عُريانُ

  • وضَجيج غاراتِ العدوِّ يَزيدها

  • فَزَعاً تَضَاعف عنده الَخَفقانُ

  • بالأمسِ ودَّعها ابنُها وحَليلُها

  • وابنُ اْختها وصديقُه حسَّانُ

  • واليوم صبَّحتِ المدافعُ حَيَّها

  • بلهيبها، فتفرَّق الجيرانُ

  • باتت بلا زوجٍ ولا إِبنٍ ولا

  • جارٍ يَصون جوارَها ويُصَانُ

  • يا ويحَها مَلَكتْ كنوزاً جَمَّة

  • وتَبيت يعصر قلبَها الِحرْمانُ

  • تَستطعم الجارَ الفقيرَ عشاءَها

  • ومتى سيُطعم غيرَه الُجوْعَانُ

  • صارتْ محطَّمةَ الرَّجاء، وإنَّما

  • برجائه يتقوَّت الإِنسانُ

  • يا قدسُ يا حسناءُ طال فراقُنا

  • وتلاعبتْ بقلوبنا الأَشجانُ

  • من أين نأتي، والحواجزُ بيننا:

  • ضَعْفٌ وفُرْقَةُ أُمَّةٍ وهَوانُ؟

  • من أين نأتي، والعدوُّ بخيله

  • وبرَجْلهِ، متحفِّزٌ يَقْظَانُ؟

  • ويَدُ العُروبةِ رَجْفَةٌ ممدودةٌ

  • للمعتدي وإشارةٌ وبَنانُ؟

  • ودُعاةُ كلِّ تقُّدمٍ قد أصبحوا

  • متأخرين، ثيابُهم أَدْرَانُ

  • متحدِّثون يُثَرْثِرُون أشدُّهم

  • وعياً صريعٌ للهوى حَيْرانُ

  • رفعوا شعارَ تقدُّمٍ، ودليلُهم

  • لِينينُ أو مِيشيلُ أو كاهانُ

  • ومن التقدُّم ما يكون تخلُّفاً

  • لمَّا يكون شعارَه العصيانُ

  • أين الذين تلثَّموا بوعودهم

  • أين الذين تودَّدوا وأَلانوا؟

  • لما تزاحمت الحوائجُ أصبحوا

  • كرؤى السَّراب تضمَّها القيعانُ

  • كرؤى السَّرابِ، فما يؤمِّل تائهٌ

  • منها، وماذا يطلب الظمآنُ؟

  • يا قدس، وانتفض الخليلُ وغَزَّةٌ

  • والضِّفتان وتاقت الجولانُ

  • وتلفَّت الأقصى، وفي نظراته

  • أَلَمٌ وفي ساحاته غَلَيانُ

  • يا قُدس، وانبهر النِّداءُ ولم يزلْ

  • للجرح فيها جَذْوةٌ ودُخانُ

  • يا قدس، وانكسرتْ على أهدابها

  • نَظَراتُها وتراخت الأَجفانُ

  • يا قُُدْسُ، وانحسر اللِّثام فلاحَ لي

  • قمرٌ يدنِّس وجهَه استيطانُ

  • ورأيتُ طوفانَ الأسى يجتاحُها

  • ولقد يكون من الأسى الطوفانُ

  • كادت تفارق مَنْ تحبُّ ويختفي

  • عن ناظريها العطف والتَّحنانُ

  • لولا نَسائمُ من عطاءِ أحبَّةٍ

  • رسموا الوفاءَ ببذلهم وأعانوا

  • سَعِدَتْ بما بذلوا، وفوقَ لسانها

  • نَبَتَ الدُّعاءُ وأَوْرَقَ الشُّكرانُ

  • لكأنني بالقدس تسأل نفسَها

  • من أين هذا الهاطلُ الَهتَّانُ؟

  • من أين هذا البذلُ، ما هذا النَّدى

  • يَهمي عليَّ، ومَنْ هُم الأَعوانُ؟

  • هذا سؤال القدس وهي جريحةٌ

  • تشكو، فكيف نُجيب يا سَلْمانُ؟

  • ستقول، أو سأقول، ما هذا الندى

  • إلاَّ عطاءٌ ساقه المَنَّانُ

  • هذا النَّدى، بَذْلُ الذين قلوبُهم

  • بوفائها وحنانها تَزْدَانُ

  • أبناءُ هذي الأرض فيها أَشرقتْ

  • حِقَبُ الزمان، وأُنزِل القرآنُ

  • صنعوا وشاح المجد من إِيمانهم

  • نعم الوشاحُ ونِعْمَتِ الأَلوانُ

  • وتشرَّف التاريخ حين سَمَتْ به

  • أخبارُهم، وتوالت الأَزمانُ

  • في أرضنا للناس أكبرُ شاهدٍ

  • دينٌ ودنيا، نعمةٌ وأَمانُ

  • هي دوحةُ ضَمَّ الحجازُ جذورَها

  • ومن الرياض امتدَّت الأَغصانُ

  • الأصل مكةُ، والمهاجَرُ طَيْبةٌ

  • والقدسُ رَوْضُ عَراقةٍ فَيْنَانُ

  • شيمُ العروبة تلتقي بعقيدةٍ

  • فيفيض منها البَذْلُ والإحسانُ

  • للقدس عُمْقٌ في مشاعر أرضنا

  • شهدتْ به الآكامُ والكُثْبانُ

  • شهدت به آثارُ هاجرَ حينما

  • أصغتْ لصوت رضيعها الوُديانُ

  • شهدت به البطحاء وهي ترى الثرى

  • يهتزُّ حتى سالت الُحْلجانُ

  • ودعاءُ إبراهيمَ ينشر عطره

  • في الخافقين، وقلبُه اطمئنان

  • هذي الوشائج بين مهبط وحينا

  • والمسجد الأقصى هي العنوانُ

  • هو قِبلةٌ أُولى لأمتنا التي

  • خُتمت بدين نبيِّها الأديانُ

  • أوَ لَمْ يقل عبدالعزيز وقد رأى

  • كيف الْتقى الأحبار والرُّهبانُ

  • وأقام بلْفُورُ الهياكلَ كلَّها

  • للغاصبين وزمجر البُركان

  • وتنمَّر الباغي وفي أعماقه

  • حقدٌ، له في صدره هَيجَانُ

  • وتقاطرتْ من كلِّ صَوْبٍ أنْفُسٌ

  • منها يفوح البَغْيُ والطغيانُ

  • وفدوا إلى القدس الشريف، شعارهم

  • طَرْدُ الأصيل لتخلوَ الأوطانُ

  • وفد اليهود أمامهم أحقادهم

  • ووراءهم تتحفَّرُ الصُّلبان

  • أوَ لم يقل عبدالعزيز، وذهنُه

  • متوقدٌ، ولرأيه رُجْحَانُ

  • وحُسام توحيد الجزيرة لم يزلْ

  • رَطْباً، يفوح بمسكه الميدانُ

  • في حينها نَفضَ الغُبارَ وسجَّلَتْ

  • عَزَماتِه الدَّهناءُ والصُّمَّانُ

  • أوَ لم يَقُلْ، وهو الخبيرُ وإِنما

  • بالخبرةِ العُظْمى يقوم كيانُُ:

  • مُدُّوا يدَ البَذْلِ الصحيحةَ وادعموا

  • شعبَ الإِباءَ فإنهم فُرْسَانُ

  • شَعْبٌ، فلسطينُ العزيزةُ أَنبتتْ

  • فيه الإباءَ فلم يُصبْه هَوانُ

  • شَعْبٌ إذا ذُكر الفداءُ بَدا له

  • عَزْمٌ ورأيٌ ثاقبٌ وسنانُ

  • شعبٌ إذا اشتدَّتْ عليه مُصيبةٌ

  • فالخاسرانِ اليأسُ والُخذلاُن

  • لا تُخرجوهم من مَكامنِ أرضهم

  • فخروجُهم من أرضهم خُسران

  • هي حكمةٌ بدويَّة ما أدركتْ

  • أَبعادَها في حينها الأَذهانُ

  • يا قُدْسُ لا تَأْسَي ففي أجفاننا

  • ظلُّ الحبيبِ، وفي القلوبِ جِنانُ

  • مَنْ يخدم الحرمين يأَنَفُ أنْ يرى

  • أقصاكِ في صَلَفِ اليَهودِ يُهانُ

  • يا قُدسُ صبراً فانتصاركِ قادمٌ

  • واللِّصُّ يا بَلَدَ الفداءِ جَبَانُ

  • حَجَرُ الصغير رسالةٌ نُقِلَتْ على

  • ثغر الشُّموخ فأصغت الأكوانُ

  • ياقدسُ، وانبثق الضياء وغرَّدتْ

  • أَطيارُها وتأنَّقَ البستانُ

  • يا قدس، والتفتتْ إِليَّ وأقسمتْ

  • وبربنا لا تحنَثُ الأَيمانُ

  • واللّهِ لن يجتازَ بي بحرَ الأسى

  • إلاَّ قلوبٌ زادُها القرآنُ


أعمال أخرى عبد الرحمن العشماوي



المزيد...

العصور الأدبيه

نحن نستخدم كوكيز خاصه بنا و بأطراف أخرى لتحسين خبره المستخدم فى موقعنا و أيضا هى ضروريه لإتمام بعض العمليات التى يطلبها المستخدم على الموقع إذا إستمررت فى التصفح فسوف نعتبر أنك توافق على إستخدام الكوكيز. يمكنك الحصول على المزيد من المعلومات هنا. x