إلهي عَلَى كلِّ الأمورِ لَكَ الحمْدُ ( البوصيري )



  • إلهي عَلَى كلِّ الأمورِ لَكَ الحمْدُ

  • فليس لما أوليت من نعمٍ حدُّ

  • لك الأمرُ من قبل الزمانِ وبعدهِ

  • ومالكَ قبلٌ كالزمانِ ولا بعدُ

  • وحُكْمكَ ماض في الخلائِق نَافذٌ

  • إِذا شئتَ أمراً ليس من كونِه بُدُّ

  • تُضلُّ وتهدي منْ تشَاءُ منَ الوَرَى

  • وما بِيد الإنْسَان غَيٌّ ولا رُشْدُ

  • دعوا معشر الضلال عنا حديثكم

  • فلا خطأٌ منه يجابُ ولا عمدُ

  • فلو أنكم خلقٌ كريمٌ مُسختمْ

  • بقَوْلِكُم لكن بمَنْ يُمْسَخُ القِرْدُ؟

  • أتانا حديثٌ ما كرهنا بمثلهِ

  • لكُمْ فِتْنَة ً فيها لمِثلِكُمُ حَصْدُ

  • غَنِيتُمُ عَنِ التأْويلِ فيه بظاهرٍ

  • وَمَن ترَكَ الصّمْصَامَ لم يُغَنِهِ الغِمْدُ

  • وَأَعْشى ضياءُ الحقِّ ضَعْفَ عُقُولِكمْ

  • وشمسُ الضُّحَى تَعْشَى بها الأَعيُنُ الرُّمْد

  • ولن تدركوا بالجهل رشداً وإنما

  • يُفرقُ بين الزيفِ والجيد النقدُ

  • وعظتم فزدتمْ بالمواعظِ نسوة ً

  • وليسَ يفيدُ القَدْحُ إن أَصْلَدَ الزَّنْد

  • وما لَيَّنتْ نار الحجازِ قلوبكمْ

  • وَقد ذابَ مِن حرِّ بها الحَجَرُ الصَّلْدُ

  • وَما هِيَ إلا عينُ نَارِ جَهنَّم

  • تَرَدَّدَ مِنْ أَنفاسِها الحرُّ وَالبَرْدُ

  • أتت بشواظٍ مُكفَهِرٍ نحاسهُ

  • فلوِّحَ منها للضحى والدجى جلد

  • فما اسودَّ من ليلٍ غدا وهو أبيضٌ

  • وَما ابيضَّ منْ صبْحٍ غَدا وَهْوَ مُسْوَدُّ

  • تُدَمِّرُ ما تأتي عليه كعاصفٍ

  • من الرِّيح ما إن يُستطاعُ لهُ رَدُّ

  • تَمُرُّ عَلَى الأرض الشديد اختلافُها

  • فَتُنْجِدُ غَوْراً أوْ يغورُ بها نَجْدُ

  • وَتَرْمِي إلى الجوِّ الصُّخورَ كأنما

  • بِباطِنهَا غيظٌ على الجَوِّ أوْ حِقْدُ

  • وتخشى بيوتُ النارِ حرَّ دُخانها

  • وَيَزْدَادُ طُغيانا بها الفُرسُ والهِنْدُ

  • فلو قَرُبَتْ مِنْ سَدِّ يأجُوجَ بَعْدَما

  • بَنَى منه ذُو القَرْنَيْنِ دُكَّ بها السَّدُّ

  • وَلَمَّا أساء الناسُ جِيرة َ ربِّهِمْ

  • ولمْ يَرْعَها منهم رئيسٌ وَلا وَغْدُ

  • أَراهم مَقاماً ليسَ يُرْعَى لِجَارِهِ

  • ذمامٌ ولم يحفظ لساكنه عهدُ

  • مدينة نارٍ أحكمت شرفاتها

  • وأبراجها والسورُ إذ أبدع الوقدُ

  • وقد أبصرتها أهل بصرى كأنما

  • هي البصرة الجاري بها الجزر والمدُّ

  • أضاءت على بعد المزار لأهلها

  • من الإبلِ الأعناقُ والليلُ مربدُ

  • أشارت إلى أن المدينة قصدُها

  • وَلله سِرٌّ أنْ فَدَى ابنَ خَلِيلِهِ

  • يروحُ ويغدو كلُّ هولٍ وكربة ٍ

  • على الناس منها إذ تروح وإذ تغدو

  • فلمَّا التَجَوْا للمصطفى وتَحرَّمُوا

  • بساحتهِ والأمرُ بالناسِ مشتدُّ

  • أتوا بشفيعٍ لا يردُّ ولم يكنْ

  • بِخَلْقٍ سوَاهُ ذلك الهَوْلُ يَرْتَدُّ

  • فأُطْفِئَتِ النارُ التي وَقَفَ الوَرَى

  • حيارى لديها لم يعيدوا ولم يبدوا

  • فإنْ حَدَثَتْ مِنْ بَعْدِها نارُ فِريَة ٍ

  • فما ذلك الشيءُ الفَرِيُّ وَلا الإِدُّ

  • فللَّه سِرُّ الكائناتِ وجَهْرُها

  • فكمْ حِكم تَخْفَى وَكَمْ حِكَم تَبْدُو

  • وقدماً حمى من صاحب الفيلِ بيتهُ

  • ولمَّا أَتى الحَجَّاجُ أَمْكَنَهُ الهَدُّ

  • فلا تنكروا أن يحرمَ الحرمُ الغنى

  • وساكنه من فخره الفقر والزهدُ

  • وقد فديت من ماله خير أمة ٍ

  • وَلو خُيِّروا في ذلِكَ الأمرِ لَمْ يُفدُوا

  • فَواعَجَباً حتى البِقاعُ كَريمَة ٌ

  • لها مثلُ ما للساكِنِ الجاهُ وَالرِّفْدُ

  • فإِن يَتَضَوَّعْ منه طِيبٌ بِطَيْبة ٍ

  • فما هو إلاَّ المندلُ الرطبُ والندُّ

  • وإن ذهبت بالنار عنه زخارفٌ

  • فما ضَرَّهُ منها ذَهابٌ وَلا فَقْدُ

  • أَلاَ رُبما زادَ الحَبيبُ مَلاَحَة ً

  • إذا شُقَّ عنه الدرعُ وانتثرَ العقدُ

  • وكم سُتِرَتْ لِلْحُسْن بالحَلْي مِنْ حُلًى

  • وكم جَسَدٍ غَطَّى مَحَاسِنَهُ البُرْدُ

  • وأهيبُ ما يُلقى الحسامُ مجرَدَّاً

  • ورَوْنَقُهُ أنْ يَظْهَرَ الصَّفْحُ وَالحَدُّ

  • وما تلكَ للإسلامِ إلا بواعثٌ

  • على أَنْ يجِلَّ الشَّوْقُ أوْ يَعْظُمَ الوَجْدُ

  • إِلى تُرْبَة ٍ ضَمَّ الأَمانَة َ والتُّقَى

  • بها والنَّدى والفضلَ من أحمدٍ لحدُ

  • إلى سَيِّدٍ لم تأْتِ أُنْثَى بِمِثْلِهِ

  • وَلاَ ضَمَّ حِجْرٌ مِثْلهُ لاَ وَلاَ مَهْدُ

  • ولم يمشِ في نعلٍ ولا وطىء َ الثرى

  • شبيهٌ له في العالمين ولا ندُّ

  • شَبوقد أُحْكِمَتْ آياتُهُ وتشابَهَتْ

  • فَلِلْمُبْتَدِي وِرْدٌ لِلمُنْتَهي وِرْد

  • وإن كان فيها كالنجوم تناسخٌ

  • فطالعُهَا سَعْدٌ وغاربُها سعْدُ

  • وإن قصرت عن شأوها كل فكرة ٍ

  • فليست يدٌ للأنجم الزهرِ تمتدُ

  • فلمَّا عَمُوا عنها وصَمُّوا أَراهمُ

  • سيوفاً لها برقٌ وخيلاً لها رعدُ

  • ومن لم يلن منه إلى الحق جانبٌ

  • بِقَولٍ أَلانَتْ جَانِبَيهِ القَنا المُلْد

  • وقد يُعجِزُ الدَّاءُ الدَّواءَ مِن امرِىء ٍ

  • ويشفيه من داء به الكي والفصدُ

  • فغالبهم قومٌ كأن سلاحهم

  • نيوبٌ وأظفارٌ لهم فهم أسدُ

  • ثقاتٌ من الإسلامِ إن يعدوا يفوا

  • وإن يسألوا يهدوا وإن يقصدوا يجدوا

  • وَأَمَّا مكانُ الصِّدقِ منهم فإِنه

  • مقالهُمُ وَالطّعْنُ والضَّرْبُ والوعْدُ

  • إِذا ادَّرَعُوا كانتْ عُيُونُ دُرُوعِهِمْ

  • قلوباً لها في الرَّوْحِ مِنْ بَأْسِهِم سَرْدُ

  • يشوقك منهم كل حلمٍ ونجدة ٍ

  • تَحَلَّتْ بِكلٍّ مِنْهما الشِّيبُ وَالمُرْدُ

  • بهاليلُ أما بذلهم في جهادهم

  • فأنفسهم والمالُ والنصحُ والحمدُ

  • فلله صديقُ النبيِّ الذي له

  • فضائلُ لم يدرك بعدٍّ لها حدُّ

  • وَمَنْ كانَ لِلْمُخْتَارِ في الغارِ ثانياً

  • وَجَادَ إلى أنْ صارَ ليسَ لهُ وَجْد

  • فإِنْ يَتَخَلَّلْ بالعباءَة ِ إنه

  • بذلك في خُلاَّتهِ العلمُ الفردُ

  • ومن لم يخف في الله لومة لائمٍ

  • وَلم يُعْيِهِ قِسْطٌ يُقامُ وَلا حَدُّ

  • ولا راعه في الله قتلُ شقيقهِ

  • ألا هكذا في الله فليكن الجَلدُ

  • ومنْ جَمَعَ القرآنَ فاجْتَمَعَتْ به

  • فضائلُ منه مثل ما اجتمعَ الزبدُ

  • وجهَّزَ جيشاً سار في وقت عسرة ٍ

  • تعذَّر من قوتٍ به الصاعُ والمدُّ

  • ومن لم يُعَفَّر كَرَّمَ الله وجهه

  • جبينٌ لغير الله منه ولا خدُّ

  • فَتَى الحَربِ شَيْخُ العِلْمِ والحِلْمَ والحِجَى

  • عَلِيُّ الذي جَدُّ النَّبيِّ لَهُ جَدُّ

  • ومَن كانَ مِنْ خيرِ الأَنامِ بِفَضْلِهِ

  • كهارونَ مِن موسَى وذلكمُ الجَدُّ

  • تَوَهَّمْتَ أَنَّ الخَطْبَ ليس لهُ زَنْد

  • وإن عجمت أفواهها عودَ بأسهِ

  • أَفادَتْكَ عِلْماً أَنَّ أفواهَها دُرْدُ

  • يُوَرِّدُ خديهِ الجلادُ وسيفهُ

  • فذَاكَ إِذَا شَبَّهْتَهُ الأَسَدُ الوَرْدُ

  • وعندي لكم آل النبي مودة ٌ

  • سَلَبْتُمْ بها قلبي وصارَ له عِنْدُ

  • على أنَّ تذكاري لما قد أصابكم

  • يُجدِّدُ أشجاني وإن قدم العهدُ

  • فِدًى لكُمُ قَوْمٌ شقُوا وَسَعِدْتُمُ

  • فدارُهمُ الدنيا ودارُكمُ الخُلْدُ

  • أترجونَ من أبناء هندٍ مودة ً

  • وَقَدْ أرضَعَتْهُمْ دَرَّ بِغضَتِها هِنْدُ

  • فلاَ قَبِلَ الرَّحْمنُ عُذْرِي عُداتِكم

  • فإِنهم لا يَنْتَهُونَ وإِنْ رُدُّوا

  • إليك رسول الله عذري فإنني

  • بِحُبِّكَ في قَوْلِي ألِينُ وَأَشْتَدُّ

  • فإن ضاع قولي في سواك ضلالة ً

  • فما أنا بالماضي من القول معتدُّ

  • وما امتد لي طرفٌ ولا لان جانبٌ

  • لِغَيْرِكَ إلا ساءني اللِّينُ والمَدُّ

  • أأشْغَلُ عَنْ رَيْحَانَتَيْكَ قَريحَتِي

  • بشيحٍ ورندٍ لا نما الشيح والرَّندُ

  • وأَدْعُو سِفاهاً غيرَ آلِكَ سادتي

  • وهل أنا إنْ وُفقتُ إلا لهم عبدُ

  • فلاراح معنياً بمدحي حاتمٌ

  • ولا عُنِيَتْ هندٌ بِحبِّي ولا دَعْدُ

  • ولا هيَّجت شوقي ظباءٌ بوجرة ٍ

  • ولا بعثتْ وصفي نقانقها الربدُ

  • ويا طِيبَ تَشْبِيبي بِطَيْبَة َ لاثَنَى

  • عنان لساني عنك غورٌ ولا نجدُ

  • فَهَبْ لي رسولَ الله قُرْبَ مَوَدَّة ٍ

  • تَقَرُّ بِهِ عَيْنٌ وتَرْوَى بِه كِبْد

  • وإني لأَرجو أنْ يُقَرِّبَنِي إِلَى

  • جَنابِكَ إِرْقالُ الرَّكائِبِ والوخْد

  • ولولا وثوقي منك بالفوزِ في غدٍ

  • لما لَذَّ لي يَوْماً شَرابٌ وَلاَ بَرْدُ

  • علَيْكَ صلاة ُ الله يُضْحِي بطيْبَة ٍ

  • لَدَيْكَ بها وفْدٌ ويُمْسِي بها وفْدُ


أعمال أخرى البوصيري



المزيد...