القتل ( محمد الماغوط )



  • ضع قدمك الحجريةَ على قلبي يا سيدي

  • الجريمةُ تضرب باب القفص

  • والخوفُ يصدحُ كالكروان

  • ها هي عربةُ الطاغية تدفعها الرياح

  • وها نحن نتقدم

  • كالسيف الذي يخترقُ الجمجمه .

  • . . .

  • أيها الجرادُ المتناسلُ على رخام القصور والكنائس

  • أيتها السهولُ المنحدرة كمؤخرة الفرس

  • المأساةُ تنحني كالراهبه

  • والصولجان المذهَّبُ ينكسر بين الأفخاذ .

  • كانوا يكدحون طيلة الليل

  • المومساتُ وذوو الأحذية المدبَّبه

  • يعطرون شعورهم

  • ينتظرون القطار العائد من الحرب .

  • قطار هائل وطويل

  • كنهر من الزنوج

  • يئن في أحشاءِ الصقيع المتراكم

  • على جثث القياصرة والموسيقيين

  • ينقل في ذيله سوقاً كاملاً

  • من الوحل والثياب المهلهله

  • ذلك الوحل الذي يغمرُ الزنزانات

  • والمساجد الكئيبة في الشمال

  • الطائرُ الذي يغني يُزجُّ في المطابخ

  • الساقيةُ التي تضحك بغزاره

  • يُربَّى فيها الدود

  • تتكاثرُ فيها الجراثيم

  • كان الدودُ يغمر المستنقعات والمدارس

  • خيطان رفيعة من التراب والدم

  • وتتسلَّق منصّاتِ العبودية المستديره

  • تأكل الشاي وربطات العنق ، وحديد المزاليج

  • من كل مكان ، الدود ينهمرُ ويتلوى كالعجين ،

  • القمحُ ميت بين الجبال

  • وفي التوابيت المستعمله كثيراً

  • في المواخير وساحات الإعدام

  • يعبئون شحنه من الأظافر المضيئه إلى الشرق

  • وفي السهول التي تنبع بالحنطة والديدان ...

  • حيث الموتى يلقون على المزابل

  • كانت عجلاتُ القطار أكثر حنيناً إلى الشرق ،

  • يلهث ويدوي ذلك العريسُ المتقدم في السن

  • ويخيط بذيله كالتمساح على وجه آسيا .

  • كانوا يعدّون لها منديلاً قانياً

  • في أماكنِ التعذيب

  • ومروحةً سميكةً من قشور اللحم في سيبريا ،

  • كثير من الشعراء

  • يشتهون الحبر في سيبريا .

  • . . .

  • البندقيةُ سريعةٌ كالجفن

  • والزناد الوحشي هاديءٌ أمام العينين الخضراوين

  • ها نحن نندفع كالذباب المسنّن

  • نلوِّحُ بمعاطفنا وأقدامنا

  • حيث المدخنةُ تتوارى في الهجير

  • وأسنان القطار محطّمة في الخلاء الموحش

  • الطفلةُ الجميلةُ تبتهل

  • والأسيرُ مطاردٌ على الصخر .

  • أنامُ وعلى وسادتي وردتان من الحبر

  • الخريفُ يتدحرج كالقارب الذهبي

  • والساعات المرعبه تلتهبُ بين العظام

  • يدي مغلقة على الدم

  • وطبقةٌ كثيفة من النواح الكئيب

  • تهدر بين الأجساد المتلاصقة كالرمل

  • مستاءةً من النداء المتعفّن في شفاه غليظه

  • تثير الغثيان

  • حيث تصطكُّ العيونُ والأرجل

  • وأنين متواصل في مجاري المياه

  • شفاه غليظة ورجال قساة

  • انحدروا من أكماتِ العنف والحرمان

  • ليلعقوا ماء الحياة عن وجوهنا

  • كنا رجالاً بلا شرفٍ ولا مال

  • وقطعاناً بربرية تثغو مكرهة عبر المآسي

  • هكذا تحكي الشفاه الغليظةُ يا ليلى

  • أنت لا تعرفينها

  • ولم تشمي رائحتها القويةَ السافله

  • سأحدثك عنها ببساطة وصدق وارتياح

  • ولكن

  • ألاَّ تكوني خائنة يا عطورَ قلبي المسكين

  • فالحبر يلتهب والوصمةُ ترفرف على الجلد .

  • . . .

  • غرفتي مطفأةٌ بين الجبال

  • القطيع يرفع قوائمه الحافيه

  • والأوراق المبعثرة تنتظر عندليبها

  • وندلفُ وراء بعضنا إلى المغسله

  • كجذوع الأشجار يجب أن نكون

  • جواميس تتأملُ أظلافها حتى يفرقع السوط

  • نمشي ونحن نيام

  • غفاة على البلاط المكسو بالبصاق والمحارم

  • نرقد على بطوننا المضروبة بأسلاك الحديد

  • ونشرب الشاي القاحلَ في هدوءٍ لعين

  • وتمضي ذبابة الوجود الشقراء

  • تخفقُ على طرف الحنجره

  • كنا كنزاً عظيماً

  • ومناهلَ سخيه بالدهن والبغضاء

  • نتشاجرُ في المراحيض

  • ونتعانق كالعشاق .

  • . . .

  • اعطني فمك الصغير يا ليلى

  • اعطني الحلمةَ والمدية اننا نجثو

  • نتحدثُ عن أشياء تافهه

  • وأخرى عظيمة كالسلاسل التي تصرُّ وراء الأبواب

  • موصدة .. موصدة هذه الأبواب الخضراء

  • المنتعشة بالقذاره

  • مكروهة صلده

  • من غماماتِ الشوق الناحبة أمامها

  • نتثاءبُ ونتقيأُ وننظر كالدجاجِ إلى الأفق

  • لقد مات الحنان

  • وذابت الشفقة من بؤبؤ الوحشِ الانساني

  • القابعِ وراء الزريبه

  • يأكل ويأكل

  • وعلى الشفة السفلى المتدلية آثار مأساة تلوح

  • أمي وأبي والبكاء الخانق

  • آه ما أتعسني إلى الجحيم أيها الوطن الساكن في قلبي

  • منذ اجيال لم أرَ زهره .

  • . . .

  • الليالي طويله والشتاءُ كالجمر

  • يومٌ واحد

  • وهزيمةٌ واحدة للشعب الأصفر الهزيل

  • انني ألمس لحيتي المدبَّبه

  • أحلم براحة الأرض وسطوح المنازل

  • بفتاةٍ مراهقةٍ ألعقها بلساني

  • السماء زرقاء

  • واليد البرونزيةُ تلمس صفحة القلب

  • الشفاهُ الغليظةُ تفرز الأسماء الدمويه

  • وأنا مستلقٍ على قفاي

  • لا أحدَ يزورني أثرثرُ كالأرمله

  • عن الحرب ، والأفلام الخليعة ، ونكران الذات

  • والخفير المطهَّم ، يتأمل قدميَ الحافيتين

  • وقفتُ وراء الأسوار يا ليلى

  • أتصاعد وأرتمي كأنني أجلس على نابض

  • وقلبي مفعمٌ بالضباب

  • ورائحة الأطفال الموتى

  • إن أعلامنا ما زالت تحترقُ في الشوارع

  • متهدلة في الساحات الضاربة إلى الحمره

  • كنت أتساقط وأحلم بعينيك الجميلتين

  • بقمصانك الورديه

  • والهجير الضائع في قبلاتكِ الأخيره

  • مرحباً بكِ ، بفمك الغامقِ كالجرح

  • بالشامة الحزينة على فتحةِ الصدر

  • أنا عبدٌ لك يا حبيبه

  • ترى كيف يبدو المطر في الحدائق ؟

  • ابتعدي كالنسيم يا ليلى

  • يجب ألا تلتقي العيون

  • هرم الانحطاطِ نحن نرفعه

  • نحن نشكُّ راية الظلم في حلقاتِ السلاسل

  • بالله لا تعودي

  • شيءٌ يمزقني أن أراهم يلمسونك بغلظه

  • أن يشتهوك يا ليلى

  • سألكمُ الحديد والجباه الدنيئه

  • سأصرخُ كالطفل وأصيح كالبغي

  • عيناكِ لي منذ الطفولة تأسرانني حتى الموت .

  • . . .

  • انطفأَ الحلم ، والصقرُ مطاردٌ في غابته

  • لا شيء يذكر

  • إننا نبتسمُ وأهدابنا قاتمةٌ كالفحم

  • هجعت أبكي أتوسَّل للأرض الميتة بخشوع

  • أوّاه لِم زرتني يا ليلى ؟

  • وأنت أشدُّ فتنةً من نجمة الشمال

  • وأحلى رواءً من عناقيد العسل

  • لا تكتبي شيئاً سأموتُ بعد أيام

  • القلبُ يخفق كالمحرمه

  • ولا تزال الشمس تشرق ، هكذا نتخيل

  • إننا لا نراها

  • على حافة الباب الخارجي

  • ساقيةٌ من العشب الصغير الأخضر

  • تستحمُّ في الضوء

  • وثمة أحذية براقة تنتقل على رؤوس الأزهار

  • كانت لامعة وتحمل معها رائحة الشارع ، ودور السينما

  • كانت تدوس بحريه

  • ووراء الباب الثالث

  • يقومُ جدارٌ من الوهم والدموع

  • جدار تنزلق من خلاله رائحة الشرق

  • الشرق الذليل الضاوي في المستنقعات

  • آه ، إنَّ رائحتنا كريهه

  • إننا من الشرق

  • من لك الفؤاد الضعيف البارد

  • إننا في قيلولةٍ مفزعةٍ يا ليلى

  • لقد كرهتُ العالم دفعة واحده

  • هذا النسيجَ الحشريَ الفتاك

  • وأنا أسير أمام الرؤوس المطرقة منذ شهور

  • والعيون المبلَّلة منذ بدء التاريخ

  • ماذا تثير بي ؟ لا شيء

  • إنني رجلٌ من الصفيح

  • أغنية ثقيلة حادة كالمياه الدفقه

  • كالصهيل المتمرد على الهضبه .

  • هضبة صفراء ميتة تشرق بالألم والفولاذ

  • فيها أكثرُ من ألف خفقة جنونية

  • تنتحبُ على العتبات والنوافذ

  • تلتصقُ بأجنحة العصافير

  • لتنقل صرخةَ الأسرى وهياج الماشيه

  • من نافذة قصرك المهدمة ، ترينها يا ليلى

  • مرعبة ، سوداء في منتصف الليل

  • ومئات الأحضان المهجورة تدعو لفنائها

  • وسقوطِ هامتها

  • وردمها بالقشِّ والتراب والمكانس

  • حتى لو قدِّر للدموع الحبيسة بين الصحراء والبحر

  • أن تهدرَ أن تمشي على الحصى

  • لازالتها تلك الحشرةُ الزاحفةُ إلى القلب

  • بالظلم والنعاس يتلاشى كل أثر

  • بالأنفاس الكريهه

  • والأجساد المنطوية كالحلزونات

  • بقوى الأوباش النائمة بين المراحيض

  • سنبني جنينة للأطفال

  • وبيوتاً نظيفه ، للمتسكعين وماسحي الأحذيه .

  • . . .

  • أتى الليل في منتصف أيار

  • كطعنةٍ فجائية في القلب

  • لم نتحركْ

  • شفاهنا مطبقةٌ على لحن الرجولة المتقهقر

  • في المقصورات الداخلية ثمة عويل يختنق

  • ثمة بساطة مضحكة في قبضة السوط

  • الأنوارُ مطفأة .. لماذا ؟

  • القمرُ يذهب إلى حجرته

  • وشقائق النعمان تحترق على الاسفلت

  • قشٌّ يلتهبُ في الممرات

  • وصريرُ الحطب يئنُّ في زوايا خفيه

  • آلاف العيون الصفراء

  • تفتِّشُ بين الساعات المرعبة العاقة

  • عن عاهرةٍ ، اسمها الانسانية

  • والرؤوس البيضاء ، مليئة بالأخاديد

  • يا رب تشرق الشمس ، يا إلهي يطلع النجم

  • دعه يغني لنا إننا تعساء

  • عذبْنا ما استطعت

  • القملُ في حواجبنا

  • وأنت يا ليلى لا تنظري في المرآة كثيراً

  • أعرفك شهيةً وناضجه

  • كوني عاقلة وإلا قتلتك يا حبيبه .

  • . . .

  • لتشرق الشمس

  • لتسطع في إلية العملاق

  • الحدأة فوق الجبل

  • الغربةُ جميلةٌ ، والرياحُ الزرقاء على الوساده

  • كانت لها رائحة خاصه

  • وطعم جيفيّ حار ، دعه

  • ملايين الابر تسبح في اللحم .

  • . . .

  • أين كنتَ يوم الحادثه ؟

  • كنت ألاحقُ امرأةً في الطريق يا سيدي

  • طويلةً سمراء وذات عجيزة مدملجه

  • إنني الوحيد الذي يمرُّ في الشارع دون أن يحييه أحد

  • دعني لا أعرف شيئاً

  • اطلقْ سراحي يا سيدي أبي مات من يومين

  • ذاكرتي ضعيفه ، وأعصابي كالمسامير .

  • . . .

  • أنا مغرمٌ بالكسل

  • بعدة نساءٍ على فراشٍ واحد

  • الجريمة تعدو كالمهر البري

  • وأنا مازلت ألعقُ الدم المتجمدَ على الشفة العليا

  • مالحاً كان ، من عيوني يسيل

  • من عيون أمي يسيل

  • سطّحوه على الأرض

  • الأشرعة تتساقط كالبلح

  • لقد فات الأوان

  • إنني على الأرض منذ أجيال

  • أتسكع بين الوحوش والأسنان المحطمه

  • أضربه على صدره إنه كالثور

  • سفلَه ، دعني آكل من لحمه

  • بشدةٍ كان الألم يتجه في ذراعي

  • بشدة ، بشدة ، نحن عبيد يا ليلى

  • كنت في تلك اللحظه

  • أذوق طعم الضجيج الانساني في أقسى مراحله

  • مئات السياط والأقدام اليابسه

  • انهمرتْ على جسدي اللاهث

  • وذراعي الممددة كالحبل

  • كنت لا أميّزُ أيَّ وجهٍ من تلك الوجوه

  • التي نصادفها في السوق والباصات والمظاهرات

  • وجوهٌ متعطشةٌ نشوى

  • على الصدر والقلب كان غزالُ الرعب يمشي

  • بحيرة التماسيح التي تمرُّ بمرحلة مجاعه

  • مجاعة تزدردُ حتى الفضيله

  • والشعورَ الالهي المسوَّس

  • لقد فقدنا حاسة الشرف

  • أمام الأقدام العاريةِ والثياب الممزقه

  • أمام السياط التي ترضعُ من لحم طفلةٍ بعمر الورد

  • تجلد عاريةً أمام سيدي القاضي

  • وعدة رجال ترشحُ من عيونهم نتانةُ الشبق

  • والهياجُ الجنسي

  • وجوه طويلة كقضبان الحديد

  • تركتني وحيداً في غرفة مقفلةٍ ، أمضغ دمي

  • وأبحث عن حقد عميق للذكرى .

  • النجيع ينشدُّ على طرف اللسان

  • والغرابُ ينهض إلى عشّه

  • الألمُ يتجول في شتى الأنحاء

  • والمغيص يرتفع كالموج حتى الهضبه

  • كادت تنسحب من هذا النضال الوحشي

  • من هذا المغيص المروع

  • رأسي على حافة النافوره

  • وماؤها الفضي يسيلُ حزينا على الجوانب

  • من وراء المياه والمرمر

  • يلوحُ شعرُ قاسيون المتطاير مع الريح

  • وغمامةٌ من المقاهي

  • والحانات المغرورقة بالسكارى

  • تلوح بنعومة ورفقٍ عبر السهول المطأطئة الجباه

  • لم يعد يورقُ الزيتون

  • ولم تدرْ المعاصر ، كلهم أذلاء

  • وأضلاعي تلتهبُ قرب البحيره

  • إنها تسقي الزهور ، أنا عطشان يا سيدي

  • في أحشاء الصحراء

  • أنقذني يا قمر أيار الحزين .

  • . . .

  • استيقظي أيتها المدينة المنخفضه

  • فتيانك مرضى ،

  • نساؤك يجهضن على الأرصفه

  • النهد نافر كالسكين

  • أعطني فمك ، أيتها المتبرجةُ التي تلبس خوذه

  • . . .

  • بردى الذي ينساب كسهلٍ من الزنبق البلوري

  • لم يعد يضحك كما كان

  • لم أعد أسمع بائع الصحف الشاب

  • ينادي عند مواقف الباصات

  • الحرية منقوشةٌ على الظهر

  • واللجام مليءٌ بالحموضه .

  • ضعْ قدمك الحجريةَ على قلبي يا سيدي

  • الريحُ تصفر على جليد المعسكرات

  • وثمة رجل هزيل ، يرفع ياقته

  • يشرب القهوه

  • ويبكي كإمرأةٍ فقدت رضيعها

  • دعْ الهواء الغريب

  • يكنس أقواسَ النصر ، وشالات الشيوخ والراقصات

  • إنهم موتى

  • حاجز من الأرق والأحضان المهجوره

  • ينبت أمام الخرائب والثياب الحمراء

  • وفاه ذئابٍ القرون العائدة بلا شاراتٍ ولا أوسمه

  • تشقَّ طريقها على الرمال البهيجة الحاره

  • لا شيء يُذكر الأرض حمراء

  • والعصافير تكسر مناقيرها على رخام القصر .

  • وداعا ، وداعاً اخوتي الصغار

  • أنا راحلٌ وقلبي راجعٌ مع دخان القطار .


أعمال أخرى محمد الماغوط



المزيد...

العصور الأدبيه

نحن نستخدم كوكيز خاصه بنا و بأطراف أخرى لتحسين خبره المستخدم فى موقعنا و أيضا هى ضروريه لإتمام بعض العمليات التى يطلبها المستخدم على الموقع إذا إستمررت فى التصفح فسوف نعتبر أنك توافق على إستخدام الكوكيز. يمكنك الحصول على المزيد من المعلومات هنا. x