دعوة جادّة إلى الرقص ( محمد القيسي )



  • -1-

  • هذا هو أنت ،

  • فضاء يبدأ من ذاكرة يحتلُّ مساكنها الجند،

  • وفنجان القهوة ليل منسرح وحدود ،

  • تأخذ في الضيق من الأفق إلى العنق ،

  • فيا من تقرأ كرّاس المدَّثر ، ما تنذر،

  • فالساعة تقترب من الرابعة مساء،

  • وجوادك لا يصهل ،

  • تدخل امرأة كالرمح،

  • ورجل كجريد النخل الظامىء،

  • يحتلان الزاوية أمامك ،

  • ترسم فوق بياض الصحن شموسا دانية ،

  • وصحيفتك الأسبوعية ملقاة في تعب فوق الطاولة،

  • الرابعة مساء ...

  • شجر يتسلَّل نحو الداخل ، لم تأت ..

  • بريد الأيام تأخر ،

  • أسراب نوارس بيضاء تحوَّم في أفق دام ،

  • لم تأت .. عرائش ليلكة،

  • وقميص أخضر مفتوح الصدر ،

  • وشال حرير، لم تأت ..

  • الرابعة مساء،

  • ووضوح بحريًّ، يشرق عبر تضاريس الوجه،

  • بسيط كرغيف الخبر،

  • أليف كالموّال،

  • خططت على ورق أصفر همّا مرتعشا ..

  • كظلال مصابيح الشارع في ليلة ريح ،

  • هما كالحجر الهامس يقفز بين يديَّ رشيقا

  • وطفوليا،

  • لم تأت إلى موعدها الأول ،

  • في هذا اليوم الأول ،

  • من معزوفة ما يأتي ،

  • سأرنّم للحجر المعزول ترانيم البعل الغائب ،

  • كي أطرد وحشة هذا النهر ،

  • وأنهر خوفي،

  • وأنادي لطيورالحقل لتعزف لي

  • باسم سنابل صيف وهَّاج ،

  • كيف أحيط نسيمك بسياج،

  • كيف أجفّف ثوبي في وضح الشمس ،

  • وأخرج في عريَّ الصحراء العربيَّة ،

  • فإذا مرَّت مركبة الغيد،

  • فكيف أردُّ نوافذ صدري

  • كيف أحدُّ المدَّ،

  • وهذا الجيشان الممتدَّ..

  • من الطعنة حتى اللعنة ..كيف؟!

  • وإمّا درجت في شارع بسمان مواكبها المزدانة،

  • بالليلك والريحان..

  • سأرفع كوفية وعقال أبي في أدب مجروح،

  • وأشبّب في حاشية الوديان،

  • على مدَّ تلال الرعشة والآه:

  • أحلّفكن نساء مدينتنا أن تتمهلن ،

  • أحلّفكن بكل عزيز أن تتمهلن ،

  • أحلّفكن بأيام اللهفة والرجفة أن تتمهلن ،

  • أحلّفكن جميعا ..

  • بمرايا وحدتكن الموحشة بلا ضوء أن تتمهلن،

  • ستفتح بوّابة أضلاعي الآن،

  • بحربة عمَّان ،

  • ويخرج صوتي متَّشحا بأغاني التوت البريَّ ،

  • يموَّج بين فروع الأشجار الغافية ،

  • يراودها عن عصفور الدهشة،

  • أعني امرأة كالومضة،

  • تلتفُّ بسروال عشبيّي ،

  • تعبر فيفيض الشارع بالزعتر والحنطة،

  • تنظر فترقّ الفرس الحرادنة،

  • أو تهتاج الريح الغضبانة،

  • من منكن نساء مدينتنا تعرف هذا الظلَّ الأخضر،

  • تخبر امرأة النهر الليليَّة ،

  • امرأة الشجر المقصوف ،

  • وأنثى الرعد الملهوف ،

  • تناغمّ في خصريها وجعي وغنائي

  • منّ تعرفها منكن؟

  • فتلك عريشة صيفي،

  • مهرة أسفاري الدوريَّة ،

  • أعني بستاني الأول،

  • أعني من كانت تشرع نهديها في ملكوت الجمهوريَّة ،

  • تمنح قبلتها للريح،

  • وتأخذ زينتها في الأحياء الشعبيَّة ،

  • وخبّأت بسرَّتها ستَّة أقمار،

  • وقرنفلة عن عين العسس،

  • وهرَّبت حنيني في شكل زجاجة خمر،

  • وقصاصات،

  • وبعثت لها في السرَّ

  • قبيل رحيل النهر:

  • تعالي يا سيّدة الشهب الورديّة،

  • نستأجر بيتا في الأدوار السفلي،

  • ونغيب معا زمنا،

  • ننجب فيه لشيخوختنا القادمة صبيا،

  • يا سيدتي أين تقود الهجرة،

  • نفذت أوراق السنة الميلادية،

  • وأنا أبحث عن تلك الظبية،

  • لكن سيّدتي الوردية ذهبت،

  • فأحلّفكن الآن ،

  • أحلّفكن صبايا هذا الوطن القاتل،

  • أن تنقلن إلى سيدتي ولعي

  • أن تبدأن الرقص معي .

  • -2-

  • تسَّاقط بين يديك ثمار البلوط،

  • ولا تتسع البريّة لصراخي

  • أعرف سيدتي :

  • هذا الاستاد المشتعل،

  • الفتيات المزدهيات بزركشة الأيام،

  • ونضرة هذا التفاح المتألق فوق تلال النرجس ،

  • أعبر لمساءات شوارعك الموَّاجة بالألوان..

  • لأعمدة الضوء الوهّاجة عبر مرايا السيقان،

  • الموَّارة بالغبطة،

  • والتشكيل الرومانتيكيَّ الفاتن،

  • أهبط متشحا بالأسرار العشبيّة،

  • وغموض التكوين النابع من شال المغرب،

  • في هذي العفويّة،

  • في موسيقى الأشياء،

  • ورقة هذا المطر الناعم،

  • أهبط مثل نبيٍّ ، أو صعلوك ,

  • وأعدُّ ضلوعي

  • خشية أن أفقد في هذي الزحمة،

  • وهج الكلمة،

  • خشية أن أفقد سارا

  • فلمن هذا الحفل يبث أغانيه،

  • لمن هذا التصريح الثوريُّ

  • لمن هذا البدويُّ

  • يروز يدي ؟

  • ولمن تشرع أبواب القلعة؟

  • فدعيني أحمل نخبك بين يديَّ،

  • وأذرع هذا الأستاد المشتعل ،

  • دعيني أشرب نخب البلجيكيَّ الطائر ،

  • وأعود قليلا لعذاباتي

  • فأنا هذا البلجيكيُّ،

  • أنا كوكبة القتلى الجوَّالين ،

  • رماد الموقد ، واللحم المشويُّ،

  • وليلكك النابض بمواعيد ، وأقمار خضراء،

  • بأسفار اللؤلؤ ،

  • وأغاني الحطَّابات القرويّات ،

  • وما نقرته الأطيار من الثمر الناضج،

  • عبر فصول الأرض،

  • أشمُّ عطاياك الآتية، وأشرع شبّاكي،

  • أتنفس وأوسوس،

  • وأحدّث عنك فينشرح الفقر ،

  • تهلّل قسمات الجوع نشيدا ..

  • فتعالي نقتسم اللقمة والنقمة ،

  • وتعالي مزمارا،

  • تلك طفولتنا السانحة لنا

  • تبرق عبر مرايا الطين،

  • دعيني أحمل نخبك بين يديَّ،

  • وأنفض ثوبي من تعب الاسبوع ،

  • سأدعوك إلى مائدة واحدة،

  • وأبيح لمن يفهمني أن يفهمني،

  • هل نشرب شيئا من ماء اللوز،

  • تعالي نتناول بعض القهوة،

  • نرشف هذا الوقت معا

  • وندور على دراجتنا النارية،

  • ها نحن وصلنا الوحدات،

  • أبيح لمن يفهمني أن يفهمني،

  • ليس يشال الوطن على جمل حتى أرتاح،

  • فلي ذاكرة تلتهب بأسراب طفولتها

  • لي زمن مفطور القلب،

  • ولي صحب ، وصنوبرة،

  • وسنابل تحترق ،

  • ولي هودجها العابر في هذا النفق المعتم ،

  • وأغاني صبيتها اليتم ،

  • لي هذا البرقوق الساطع في ليل جدائلها

  • والبرق اللامع في بيض شمائلها

  • لي بعد سكاكين الأهل دم ينفر كالجدول ،

  • لي ساحات أخرى ،

  • ومناديل تلوّح ،

  • أيتها الشرفات الممتدَّة ما بين محيط يجرح ،

  • وخليج ينعم في الاعياء،

  • كثير هذا

  • ها نحن وصلنا الوحدات ،

  • فيا سيّد هذي الآلام ترجّل ،

  • يا جسدي لا ترتجف الآن ،

  • أمامك أكثر من جبل ، وأمامك أهلك،

  • خذ من هذا الهرم فواكهك الحلميَّة ،

  • خذ زادك ومعادك ،

  • زوّد أضلاعك بشميم عرار الوحدات ،

  • فما بعد الليلة إلا سفر يتأهب للموت أو القيد ،

  • وقل يا ساحات المجد ،

  • رعاك الفقراء ..

  • وظلَّل غزلانك قمر الأحراش ،

  • لماذا يا قمر الأحباب تطل عليَّ حزينا ..

  • من شبَّاك غيومك ،

  • تزفر في السرَّ ،

  • تخبىء أثَّات نجومك.

  • ولماذا تتستَّر سيّدتي الورديَّة ،

  • في هذا الاكليل الشوكيَّ،

  • لماذا لا تخرج في ذعر الوعل إلى الشارع ،

  • قبل غياب الزمن العربيَّ،

  • أخاف على سيدتي أن تذبل في النوم ،

  • أخاف على سيدتي أن تهرم في الهمّ،

  • ويا سيدتي أقرأ كلمات السرَّ،

  • على أطراف قميصك فأخاف ..

  • يراني الصفصاف،

  • يعاتب ويكاتب ريح الشرق،

  • وجدوله الغائب غائب،

  • كيف أميل على هذا العمر،

  • أجيبي يا سيدة الوحدات،

  • فهل أعقد صلحا منفردا بين جدائل أمي البيضاء،

  • وبين المنفى الأبديّ!

  • هل أتنازل عن زمني العربيّ

  • عن صدرأبي المشقوق بحربين ،

  • وعن وجه حبيبي الحنطيّ

  • عن خصر الأيام الموصول بعمري الدمويّ؟

  • هذا فخ ينصب يا سيدة الوحدات،

  • لعصفوري الدوريُّ

  • أيتها الشرفات الممتدَّة ما بين محيط يجرح،

  • وخليد ينعم في الاعياء،

  • كثير هذا ،

  • وكثير يا زمني العربي

  • ها نحن وصلنا الوحدات،

  • سأتلو مزمور الأيام الملتهبة،

  • في هذا التجويف الصدريّ،

  • سأتلو من سورة هذا الطائر ما يتيسَّر لي،

  • من قرآن الهمَّ السريَّ،

  • وأعلن :

  • لا يملك تاريخي أطلالا لأنوح عليها ،

  • يملك هذا الألق المتفتّح كالنوّار ،

  • على شرفات منازل سارا،

  • فأنا موفدها العائد ،

  • ورسول مواجعها،

  • ها أنذا أتجول:

  • فرح في القلب،

  • وسكين في الشارع ، ومسدَّس ،

  • حلمَّ يجرأ في الإعلان عن الوقت ، ولا ييأس،

  • عنق يتطاول فوق ذراع الموت ، ولا يأنس،

  • إلا لوعول البحر ، وأسماك المتوسّط ،

  • في حلقات النفيّ.

  • فدعونا نلتحف بعشب الأرض قليلا،

  • في هذا الطقس القطبيّ

  • ودعونا نبحث في الصحراء إذن ،

  • عن وطن عربيّ

  • هذا الوطن الممتدُّ من الدمعة حتى الصفعة،

  • يتثاءب تحت عيون الدركيّ

  • فتعالي يا سيدة الوحدات،

  • تعالي ننسلُّ من الباب الخلفيّ

  • وندور على دراجتنا النارية،

  • إيذانا بالزمن العربيّ.


أعمال أخرى محمد القيسي



المزيد...
نحن نستخدم كوكيز خاصه بنا و بأطراف أخرى لتحسين خبره المستخدم فى موقعنا و أيضا هى ضروريه لإتمام بعض العمليات التى يطلبها المستخدم على الموقع إذا إستمررت فى التصفح فسوف نعتبر أنك توافق على إستخدام الكوكيز. يمكنك الحصول على المزيد من المعلومات هنا. x