المكابدات ( قاسم حداد )



  • 1

  • ذاهب لترجمة الليل

  • 2

  • هل النص شهوة اللغة ،

  • هل المعنى شكل يفيض بالأبجدية .

  • 3

  • من أنت ، من أنت ،

  • تبكي على أمة ،

  • أم تراها ستبكي عليك.

  • غطيت شعباً بمرثية الماء ،

  • صحراؤك محزومة بالملوك ،

  • فمن أنت ،

  • حتى تسمي سماءاً بعينين مذعورتين

  • و تمدح أعداءنا بالسكوت.

  • يا أنت ، من أنت.

  • 4

  • يتكاسر حوله الكلام

  • يتحشد مثل كتائب القتال،

  • يتأسس و يحاذي ،

  • يوازي و ينزاح ،

  • يتجاوز و يخرج ،

  • يصير المتن هامشاً له والحاشية شهوة النار .

  • لكنه لا يكترث ولا يهتم ،

  • مؤمناً أنه النص .

  • 5

  • أكتبنا بهذا الشكل،

  • كي نبكي بشكل شاهق ،

  • و امنح قصيدتك الهواء

  • مغامراً بنشيجك المشحون ،

  • و ادفعنا معاً .. نبكي معك.

  • اكتب كما يملي هواك

  • تكون قنديلاً لنا بجنونك الأخاذ

  • خذنا في ظلام النص

  • للنص الذي لا ينتهي بالنوم

  • أكتب،

  • سيد شكل الذي لا ينحني للشكل .

  • 6

  • ليل ،

  • كما لو أنه الليل كله .

  • 7

  • ليس هذا صريخ الجسد ،

  • لكنه جنون الجثمان

  • وهذيان الروح .

  • 8

  • وقف في حضرة القصب ،

  • وحوله طغاة مدججون بذخيرة القتل،

  • فأخرج نارةً من زنده

  • يكتب بها دفاتر التعب

  • و يقرأ الحقل .

  • 9

  • قرأت دمي ،

  • مثلما يقرأ الليل وجه قاسم .

  • 10

  • جسد ينتهي كلما اشتهى ،

  • ويبدأ حين يعلن الآخرون هدنةً بين موتين.

  • جسد اختبرته الجسور وامتحنه الحب ،

  • أجلته لأجلك ،

  • بذريعة المخطوطات،

  • و ها هو يدخل الحروب

  • كأن الأبجدية لم تعد تكفي.

  • 11

  • سلام عليك يا حارس النبيذ،

  • تؤرخ لنا العنب وتنساه،

  • وتبذل الترنح لأجسادنا ،

  • وعندما تشتعل السهرة

  • ويوشك زيت قنديلنا على النفاد ،

  • تسكب نبيذك الكثيف في القوارير،

  • بلا ترفق،

  • فيقوم اللهب من النوم ،

  • ويتصاعد الوهج معلناً هزيمة الليل .

  • 12

  • وحيد في مكان بعيد،

  • أمتحن جاذبية الروح بكيمياء الجسد.

  • يأتي صوت ينقض الفيزياء بالولع،

  • مثل طفل يبتكر حلما

  • ويذهب فيه .

  • 13

  • كأننا في جنة الكتب ، نقرأ كلامها :

  • " في القيامة، عندما تجتازون الموت الأول، تفتح أمامكم أبواب الموت الثاني،

  • فكل من ارتكب خطيئة المكابرة في حضرة الحب، أو معصية الجسد في ليل الشهوة، تجوز عليه شهادة الغائب، ويكون عليه أن ينال فهرس العذاب

  • كانت تقول ،

  • ونحن نتوارى في أجساد مرتعشة، أرواحنا تكاد أن تذهب ،

  • كمن يسمع شيئاً

  • ويرى سواه.

  • 14

  • المخفي... يخيف .

  • 15

  • ثلة من الكهنة ينالون مثل كراكي الموعظة، ينامون ويتركون الفتنة في يقظة الجسد. أرديتهم تتأرجح لتطفئ ذبالات الشموع المرصوفة على حواف الطريق،

  • والجسد يتخبط في ظلامه،

  • لا يهجع ولا ينام.

  • 16

  • كهنة يذرعون الممشى ويعبرون ليل الجسد.

  • موغلون في بهجة الناس.

  • يغمرون الأفئدة بالوهم كأنه الحلم.

  • لا الجسد يسمع ولا الناس.

  • وما إن تستلقي في مكان، متظاهراً بالغياب،

  • حتى يباغتونك بحضورهم الداهم،

  • يفتحون الكتاب ويشرعون في شرح النص.

  • تحت آباطهم بصيرة الملحدين

  • وذرائع الموغلين في الشك .

  • 17

  • مشيت في قتلة يمرحون،

  • يحصون قرابينهم في رماد الليل،

  • يمدحون الله ويهجون خطيئة البشر.

  • بعضهم يفك الأبجدية ويتهجى الأسماء،

  • مثل ندوب في جثة تبطش بالناس.

  • بعضهم يضع الرقم وقرينه.

  • بعضهم يؤيد القتلى ليشجب الموت.

  • بعضهم موغل في غفلته الفادحة.

  • 18

  • ناس الغابات

  • يعيثون فساداً في البيت .

  • 19

  • رأيت قاسما

  • يدخر القتل لأسمائه ،

  • رأيته ،

  • كأنما الكلام من مائه.

  • قرأت تاريخا ، تهجيته ،

  • مثل بكاء البيت في آله .

  • 20

  • حين يسأم الناس مجد الجوع ،

  • يتفاقم مرح القتلة، فيبدأون في اقتسام الأوهام :

  • نصر هنا ، هزيمة هناك.

  • غنائم تتعثر بها أجساد مصابة بالجزع ومؤآمرات الخذلان.

  • يذهب في بكاء مكبوت،

  • ولا أحد يلتفت لشخص يفقد تاجه في بسالة الفرسان

  • ويعود مأخوذا كأنه لم يكن في مكان .

  • 21

  • قال لهم :

  • "بيني وبين الغابة مسافة

  • بيني وبين الأسلحة مسافة

  • بيني وبين القطيع مسافة ،

  • وبيني وبين الله نص مكتوب

  • لا يخرج عنه ولا أخرج عليه"

  • وكانوا يسمعون ،

  • وكانوا يرون .

  • 22

  • الشمس وحدها ،

  • تستطيع أن تقلد شمساً مثلها .

  • 23

  • أما أنت ،

  • فلك أن تحاولي تقليد النوم،

  • فيما تفقدين شهية المساء،

  • تنتابك رعشة المباغتة،

  • وأنت ترين الكائنات مبهورةً

  • تهرب إلى أحلامنا .

  • 24

  • يظفر بك الملك

  • وتأخذك الطبيعة قهوة لسهرة الأسرى.

  • تتوهجين في غابة تحرس سريري وترصد أحلامي ،

  • مثل شمس تفضح الثلج.

  • 25

  • أيتها الجنية ذات الوبر،

  • تلذ لك أكثر العروق توتراً وغروراً لاختباره،

  • فيما يلامس كنزك المكنون،

  • متصاعداً في شهيق الكبت.

  • لماذا تجلسين هناك في عرش المكابرة

  • وتتركين شخصاً هملاً في العشق،

  • ترتعد فرائصه كلما تذكر مليكةً

  • تكنز فضتها في قصعة الجسد،

  • وتلهو بالذهب منهمراً تحت شرفتها.

  • 26

  • هذا جسد ينتحب إليك ،

  • و روح تتفصد مثل ندم نافر،

  • وأنت في عفة الإسطرلاب،

  • تسألينه عن الطقس بروح ضائعة

  • وجسد يكاد أن يذهب.

  • 27

  • لهن مجامر هناك،

  • ما عليك إلا أن تدس حديدتك الباردة

  • لكي تنال السفود.

  • 28

  • قلت له في تاسوع النص :

  • أجل جسدك لليل آخر ،

  • أجله ،

  • لئلا تصاب بالمراثي .

  • وكان قد حمل جسده وذهب في مديح فادح،

  • لم يكن يسمع ،

  • فللجسد سلطة على الشخص ذاهباً في حسرات الروح ،

  • كمن يلبس قميصاً ويضع الريشة في العروة

  • ويبالغ في التيه،

  • مثل كتيبة الفرسان،

  • تذهب إلى المبارزة بثقة القتل ،

  • وتؤثث الطريق لئلا تفقد أثر التيه.

  • 29

  • قيل إنها مليكة من الجن

  • متماهية في قميص البشر.

  • تخلع طبيعتها مثلما ترفع العباءة عن الرأس

  • ليخرج الجسد من ليله.

  • 30

  • قيل له :

  • لقد غرر بك أيها الذئب الوحيد.

  • فثمة من يلهو بكتابك، يضع لك الملح في الجرح

  • ويؤرجح بين الوهم والحلم .

  • قيل له :

  • لملم شظاياك وارجع إلى نفسك،

  • زين وجرك بوثير الوحشة وترف العزلة.

  • قيل له :

  • إرجع إلى قلب الكهف ، أرأف بك من وهم الحب .

  • قيل له :

  • إرجع إليك ،

  • تطمئن بأن أحداً لن يفسد عليك نفسك .

  • هناك .. حيث أنت وحدك ،

  • إرجع،

  • حلم مستحيل أكثر رأفة

  • من شبح مستفحل .

  • 31

  • سماه جسدا

  • وبذله لمشارط النطاسين ،

  • لا يحيا ،

  • ولم يقدر عليه موت ، ولم يكن حكيما .

  • 32

  • وحده في ليل النص ،

  • تتقاطر حوله مخلوقات ترفل في هودج اللغة.

  • يبتكر أحجارا كريمة ،

  • يصقلها نحاة يسهرون على كلام الجسد .

  • 33

  • رأيت فيك الجنة الخفية

  • رأيت، مثل الماء في قميصك ،

  • مليكةً ترأف بالرعاة

  • كي تفتك بالرعية.

  • 34

  • جنة الزجاج ،

  • جنة أن تسكن خارجها .

  • 35

  • أنظري كيف يطفر النحيب من جسدي مثل الحمم المذعورة،

  • فلتكن لديك البسالة والحكمة،

  • لكي تصدقي أن للشخص يوماً يموت فيه بهدوء العشب،

  • وهو يفصد الطين بغموض المصادفات،

  • فلا يتاح لك الوقت لترى أين يكمن الحب ،

  • في الحياة أم في الموت.

  • 36

  • سيكون لطفلك أطفال ينحتون إسماً للجسد

  • ويصقلونه بالمعادن، جسد لا يهرم ولا يشيخ .

  • يصاب فجأة بالعطب ويمرض ويهلك،

  • وتظل الروح نشيطة في هيكل يئن.

  • وحين يموت،

  • تسمع لتصاعد روحه وقعاً

  • يشبه تقصف الذهب تحت حوافر الوقت.

  • فاعلم أن لطفلك أطفالاً يأتون من الكتب ،

  • و إلى الكتب يذهبون .

  • 37

  • طفل متروك في البيت، تجرحت حنجرته ولم يسمعه أحد.

  • غيمة تطل عليه من النافذة. كف عن البكاء وطفق يرتب الوسائد للنوم، ليل نازل والأحلام في انتظاره، يجدل من حرير الستائر طريق الأعماق القصية. الليل نازل والأحلام في انتظاره.

  • 38

  • غابة أم بشر،

  • الوجوه التي تأرجح أحداقها في زجاج الفضاء ،

  • بهجة أم كدر.

  • 39

  • قيل جسد ،

  • وقيل إنه تركة أسلاف يطغون حتى منتهى البحر ،

  • أسلاف ادخروا إرثاً يحبس الدم،

  • وقيل إنه الحجر القديم،

  • ينهرون فيه زجاجاً مصقولاً بزفير الناس،

  • جسد يكتب جسداً

  • يقرأه جسد آخر .

  • 40

  • تشهتك أعضائي و اشتهاك دمي

  • وتهدج بك القلب مثل بكاء الكواكب.

  • 41

  • تذهب إلى شهوة الناس ويظل وحده،

  • فيضيع مفقود الجسد، مهدور الروح.

  • وفي الليل تبدأ الأحلام في العمل،

  • فتعود وحدها إلى بيت شاغر ،

  • لتعرف أخيراً أنها لهت به وضيعته.

  • 42

  • يجهش كلما استدارت به المصادفات نحو بيته الأول.

  • حيث التجربة المشحونة بأخطاء الخلق وطفولة العمل.

  • يدس يده في عتمة الجسد، كمن يستعيد حياته بالحواس كلها،

  • لئلا تفلت الصور من عينيه .

  • هذا شخص يجهش في التجربة مثل خالق يهندس خلقه،

  • شخص يحتضن أخطاءه ويهدهدها لكي تنام وتحلم .

  • ثمة أخطاء تحلم مثل الشخص.

  • 43

  • تلعبين بي كملكة ،

  • فيما أسأم مجد العبيد .

  • 44

  • سميتك وردة الندم.

  • يضعك العاشق في قدح نبيذه وهو في عربة الوقت.

  • تضعك العاشقة عند وسادتها وهي في هودج الحلم.

  • يزين بك الفرسان عروة قمصانهم ذاهبين إلى المبارزة ،

  • و أضعك مكان الروح من جسد الجبان.

  • 45

  • ثمة نحيب يقرأ فهرس الندم .

  • وغابة تمنح بكارتها لمن يفضح الشمس

  • في ليل كامل من العمر .

  • 46

  • تارةً ممزوجة لي بالزبرجد والزبيب ،

  • وتارة يبكي على قلبي وحيد الفقد ،

  • والندماء ينتخبون أقداحاً معي .

  • أبكي كشخص غائب يمتد من شغف ،

  • ويرتجل الهواء .

  • 47

  • جالس هناك،

  • يفرك حريته ببلور الصحراء، فتستيقظ حواسه كلها ،

  • وكلما سمع عن عبيد ينالون أحلامهم ،

  • يشغف بمن يضع يديه على حجر ويشعل به بركان الرفض .

  • جالس هناك ،

  • يرى المستقبل ، كما يلمح ضوءاً تحت عقب الليل ،

  • فيتحصن بنص يخذل الكلام.

  • 48

  • سيكون عليهم تنظيف التاريخ من الدم

  • سيكون عليهم غسل كلامهم من الكذب

  • سيكون عليهم تأنيب القتلى في كفن مستعمل

  • سيكون عليهم تحرير الصمت من الأحجار

  • سيكون عليهم أن يعتذروا لبكاء امرأة مكبوت

  • سيكون عليهم سرد القصة من أولها،

  • منذ المتن والهامش و الحاشية ،

  • ويكون لنا حق الدرس .

  • 49

  • يقف في بهو الكون وحيداً ،

  • ليس ثمة هواء،

  • عيناه محتقنتان لفرط الهلع و رئته تضطرب،

  • تكسوه زرقة الليل ،

  • وكلما حرك حرفاً إنتابته المعاجم وتبادله النحاة.

  • 50

  • قيل .

  • فلما احتدمت حالة الاحتقان،

  • سألت الصخرة صمت الجبل وكادت أن تدفعه في تهلكة الكلام،

  • ولكنه أحجم واستجم في غيبوبة الكيمياء.

  • قيل ،

  • فلم يعبأ الأسلاف بأحفاد يعقون ويجحدون وتستحوذ عليهم شهوة الشمس. فاختلط على القاطن والمسافر مشهد الناس. أحجار تلبس القلانس وحيوانات تتقمص طبيعة البشر، يضطرب لهم ميزان الكتب،

  • فيجتهد الكسلى بتثاؤب المصدورين،

  • وتجود قريحتهم بالفاسد من الفتوى

  • والمعطوب من العقل والعاطل من طبيعة الجسد.

  • 51

  • يخب في ثوبه قراصنة النوم،

  • فيسمي لهم الهبات ،

  • يؤجل يقظتهم، فتستفرد به الأحلام.

  • أولئك القراصنة المباركون،

  • نذروا زنودهم لمجدافه المصقول بالموج والملح.

  • يزعم لهم الاكتراث والتريث،

  • ويفسد عليهم نعمة المبادرات.

  • 52

  • لماذا أنت متماهية مع الحلم

  • لماذا يصح للحلم أن يتحقق و أنت لا

  • لماذا يصح له أن يرأف بسعاته و أنت لا

  • لماذا يظل الحلم ماثلاً في طريق يطول،

  • وأنت تقدرين على إعلان الوهم في الوجه.

  • دون أن نقوى على تبرئة الحلم منك .

  • 53

  • وكلما وضعت يدك على حجر ، انتفض ،

  • وأخذ طبيعة الطير وشكله.

  • حجر يمتلك الفضاء ،

  • تارة في مهارة الريح ،

  • تارة في رشاقة الهواء

  • تارة في انحدار الصقر ،

  • تارة في هدأة اليمام ،

  • حجر في الفضاء ،

  • ملك عليه.

  • 54

  • حجر دربته كبد في النواح.

  • مثل نجمة سأمت وحشة الليل

  • رأيتك وأنت في ضراعة الماضي تحت وطأة الغياب

  • رأيتك، لعلك تأتين في ريشة الريح.

  • رأيتك، لعلك ترين روحاً مأخوذةً بك وحجراً في بريد الجنون.

  • فها نحن نجلس في قرفصاء الطريق.

  • نتصاعد في زفير الحجر، لا الماضي يذهب،

  • ولا المستقبل يجئ.

  • 55

  • رأيت النهارات تغفو ،

  • و الطين تحت العذاب .

  • أيها الفارس الرخو ،

  • هدهد لأبنائك المترفين بأشلائهم

  • علهم يصبرون قليلاً على الموت

  • باسم الكتاب.

  • 56

  • لا تشبه أحدا سواك،

  • فالظلام الهائم في جهامة الحبر وزهر الخشخاش،

  • متصاعد في بياض ذاهل، أكثر كآبة مما تزعم ،

  • وحنين القصب ،

  • بناياته الصقيلة ،

  • أكثر بسالة من يديك المرهقتين لفرط العمل .

  • وزرقة النوم الزاخر بالكائنات،

  • ودهشة الحلم في همل الليل ،

  • أكثر فصاحة من نصك الأخير.

  • لا شيء يشبهك .. سواك،

  • ولا أحد.

  • 57

  • لم يكن الحوذي غير شبح يذرع الغابة

  • مؤثثاً مواقع أقدامه بانتظارات فادحة.

  • يقود عربات الليل، عبر الحانات، نحو أكواخ الساحل ليغوي النساء برجال أصحاء يمنحونهن نسلاً من صغار الطغاة ،

  • يزخرفون السهرة بملهاة الحكمة، وبغتة يكبرون.

  • قيل إن الحوذي هو نفسه الحصان، وقيل إنه العربة والحانة والنساء وطغاتهن الصغار. وأحياناً يكون هو الرجل الغريب،

  • تصادفه الأشباح والساحرات في منعطفات الغابة،

  • تطير في وجهه حيوانات مجنحة بالمخطوطات،

  • يتقمصها ويعود في هيئة حوذي،

  • يزعم الحكمة وبلاغة البوح .

  • ثمة أخبار بأن الغابة لم تعرف عربةً أو حوذياً

  • قبل أن يشرع الشاعر في رسم هذا الكتاب.

  • 58

  • يصغي معها للصمت وقرينه،

  • يهدي لها أحجاراً نادرة في هيئة المخطوطات ،

  • وما إن تقرأ الكلمة حتى تطير مثل شهوة الليل ،

  • تباغتها نار فاضحة .

  • 59

  • هواء نادر،

  • تصطاده بشفتيك وحنجرتك،

  • شحن به غرف الصدر وشرفة الروح،

  • لكي تهمس الكلمة.

  • قليل ويكفيك.

  • تزرق أحداقك بعتمة الصمت لكنك ترى.

  • تلبس الجبل مثل خوذة وتهجو الحروب

  • متقمصاً موهبة النهر وطبيعة الشجر،

  • يتقصف في وجهك النص والطريق

  • لكنك ترى .

  • 60

  • يجوز له أن يكف عن شهوة المرايا،

  • فقد سئم ثرثرة الزئبق .

  • 61

  • وصف لها الحياة ، فقال :

  • (ضوء صغير بين ظلامين)

  • 62

  • شمس تفتح عرشها للقتلى،

  • أجمل من يحكم هذه الأرض ،

  • قتلى مضرجون بالزرقة وشظايا الأكاذيب،

  • والشمس عرش لهم .

  • 63

  • الأيائل أيضا،

  • تزخرف الذاكرة وتهب الطرائد موهبة النسيان

  • لكي تضع أظلافها في الفخ مرتين .

  • 64

  • لإسمه دلالة الحكمة ،

  • وليس للغته فهرس ولا قاموس.

  • ترنح مرةً ، وقيل إنه تقمص ميزان الذهب ،

  • فاشتعلت الأقاصي بمعاصيه ،

  • ولم يعد قريناً لسواه .

  • 65

  • هذا كتاب لك ،

  • يقرأ عليك.

  • 66

  • له عندها ذخيرة منسية منذ طفولة الذهب،

  • له القميص المهتوك من الكتف ،

  • وله الكتب، يؤلفها تفادياً لحشرات الضجر ،

  • وله النوم المكتظ بهيبة المعصية،

  • وله الخجل ونهضة الليل.

  • 67

  • قيل لها : يا خديجة

  • يصير لك ولد يغرر به السجن والنساء،

  • تفقدينه مرتين،

  • مرةً في شهادة أقرانه،

  • ومرةً في شهوة شعره.

  • ويذهب عنك مرتين،

  • مرة في امرأة تفتح له هالة الكتابة،

  • ومرة في جنون يزج به في هذيان النص.

  • يخطئ انتحاره مرتين،

  • مرة في صديق يفضح الليل بعينين محتقنتين

  • ومرة في جنية تشك في جنس الناس.

  • 68

  • قيل لها : يا خديجة

  • ينال منك فتاك الغريب وأنت في خبيئة انتظاره،

  • كأنك في حضرة احتضاره، ينال منك بموته الطويل.

  • قيل لها ،

  • وكانت في التجربة، تفقد الولد فتمنع زوجها عن الجسد

  • حداداً في المحنة.

  • قيل لها،

  • وكانت في حضرة القتلى كأنهم يسمعون.

  • تربط القميص في الضريح ،

  • وتبذل حلمها لزعفران المحو .

  • قيل لها ،

  • وكانت في مأتم الناس، تصب الدمع في الفناجين ،

  • لتوقظ في أكبادهم حسرة الفقد.

  • قيل لها : يا خديجة ،

  • ينحسر عن ولدك أخوته التسعة

  • ويظنون لك الظن بأن الذئب يسميهم شخصا شخصاً،

  • تنساهم الكتب

  • ويتذكرك الناس.

  • 69

  • قيل لها : يا خديجة

  • تقرئين وجه قاسم ،

  • وترين يوسف ويونس وسليمان.

  • ترين فيهم الأسماء

  • مثلما تشمين الدم في القميص

  • والجسد في الحوت

  • وتسمعين سيد الكلام .

  • تغسلين المخطوطات بالقهوة وزفير الصلاة.

  • 70

  • قيل لها ،

  • وكان كأنه يسمع ،

  • وكان كأنه يرى .

  • لا ينام إلا ويداه في الصلصال ،

  • ولا يصادف غير الكوابيس.

  • وفي الصباح

  • يخرج في صورة تتمجد به

  • و تغتر.

  • 71

  • قال يصف لها المستقبل :

  • تفتحين قناديل جسدك لرموزي

  • وتقرئين الكتب

  • وتخطين المخطوطات

  • وتصيرين لائقةً بي .

  • 72

  • قيل ،

  • فلما فرغ الخالق من سرد أحلامه على الخلق،

  • نهض رهط يريد أن يطرح تفسيره في الناس،

  • فطفق الخالق يشيح بيديه المتعبتين متثائباً ،

  • يهمس لمن حوله، لكي يصل الكلام للرهط وغيره :

  • " ليكن يوماً آخر ،

  • أما اليوم فقد أخذ مني التعب مأخذا ،

  • ولابد لي من الراحة "

  • هذا يوم يرتاح فيه الخالق

  • من خلقه .

  • 73

  • شكرت الخليقة في الكتب ،

  • أن الخالق نام عن شهوة الشرح في خلقه،

  • وترك للناس باباً يسع الأرض والسماء،

  • باباً يذهب فيه الناس إلى التأويل من كل جانب

  • بلا سلطة ولا تخوم.

  • شكرت الخليقة ذلك للخالق،

  • وصَلَّتْ إليه .

  • 74

  • نطلع من ظلمة كهف يموت،

  • من المنتهى وهو يبدأ

  • من سيرة الطير و العنكبوت.

  • 75

  • نتلابس، نتجاسد، نتداخل ، نتخارج.

  • مخلوعة لي ، مخلوع عليك ،

  • تقرئين في وجهي دم قاسم ويوسف ويونس وسليمان،

  • وتكتبين الحريق في دفتر المحو .

  • 76

  • قلنا لهن :

  • إن المسافة بين الذبيحة والحلم مردومة بوهم المكاشفة،

  • مثل رعية تضع عنقها في ربقة البهيمة وتهرب،

  • مرصودة بالليل.

  • ليل كثيف مثل بهجة النوم،

  • ليل يزعم أنه الهواء فيما هو القيد والقبر والقرابين.

  • قلنا لهن :

  • تشبثن بفلذات الأكباد.

  • فليس من يذهب إلى صلاة، كمن يذهب إلى القفر

  • في ضباع مفلوتة ،

  • ليس من يتذرع بجنة المسافر كمن يتدرع بجحيم البيت.

  • قلنا لهن :

  • وكن إذا انسلت من بين أيديهن ريشة ، طارت ،

  • وصارت وشاحاً يستر العاشق ويفضح غيره .

  • قلنا لهن :

  • و كن في الشهوة .. مثلها.

  • 77

  • ثم أخذ يصف لها يديه ،

  • وهو يغسل الماء بالكلام :

  • " ما وضعتهما في كتابة إلا و أصابتني النيران،

  • كزعفران يصف الشهوة ".

  • 78

  • قنديل في زجاج يشف عن ذبالة ترتعش

  • بحركة الروح في الأوردة،

  • وكلما انتخبت كأسا

  • اضطربت الزجاجة واختلج القنديل

  • وبالغت المليكة في الفتنة.

  • 79

  • شهادة الليل عليه :

  • "جميل ،

  • مثل غريب يدخل البيت فيضيئه ".

  • 80

  • أما أنت ،

  • أيتها الوحيدة في شرفة الليل.

  • فعليك أن تثقي بأن الإسطرلاب الذي تزنين به الحب،

  • لم يعد قادرآً على مجابهة الوحشة،

  • ميزانك يضطرب ولا رجاة فيه، ولن يأخذك لنزهة النوم.

  • 81

  • جسد شاهق مثل هذا، كفيل بنفسه

  • يختبر النيران وهي تعبر غير مكترثة بهذيانه،

  • جسد يجابه العصف مثل قتل مؤجل

  • وحياة في الحسبان.

  • جسد كفيل بيقظة البراكين ،

  • تحرسه الفراشات ويطاله الملاك.

  • 82

  • وضع كأسه على طاولة الليل ، وصب فيها العذاب كله،

  • وعبها حتى البلور، ثم أخذ يطرح الكلام في سهرة الطاولة:

  • لست ماء الملك

  • لكن نبيذ العبيد .

  • 83

  • صب العذاب ثانية وعبها،

  • ولم يزل ،

  • نفس الليل في الطاولة ،

  • و العذاب نفسه.

  • 84

  • تكاسرت المعاجم عليه،

  • ففتح نافذةً على السديم وأنشد رافعاً جناحيه تمجيداً :

  • هذه كأس تعلمنا الكلام.

  • 85

  • أحجار تتدحرج في الحناجر، وتضرع في زرقة النوم،

  • تتهدج وتزيح أستار الروح.

  • لوعة الولع في أحداقها، وكلامها نار المواقد.

  • ترسم أطفالا يقصفون الطرقات بأقدامهم النزقة،

  • ناهضين في يقظة الجنون.

  • 86

  • بيت له موهبة النوافذ والأبراج ،

  • بيتك ،

  • الذي كلما افتر ثغر الطريق عن عابر،

  • اندلعت ضحكات البهو .

  • بيتك،

  • فاترك الباب موارباً.

  • ثمة كائنات آتية للزيارة .

  • بيتك مكان يباهي به الكون،

  • وتقلده هندسة الفراديس .

  • 87

  • ها أنت ( أعني أنا )

  • في ضياع يسمونه الوطن .

  • هل كنت تمنحين الوطن زفير الحب

  • وتسمين القبلة بريد الجسد.

  • يأخذك الوطن عن الحب وتغفلين عن استلام البريد.

  • ها أنا ( أعني أنت )

  • في العشق وقرينه.

  • أسمي لك الأسماء بعاصفة المجنون وفصاحة الساكن.

  • وأنت خارج الفصول.

  • ها نحن ( أعني أنا )

  • أتجرع لك اليأس وأقول انه الأمل .

  • 88

  • نعسف بالجغرافيا الآن ونحتال على الكيمياء بالفضة،

  • فلنذهب إلى فلسفة المقهى،

  • ونحتج على سقراط كي لا يشرب الزرنيخ تمجيداً لهم،

  • ننسى ونستثني قوانين الهوى من سلطة الميزان.

  • نبكي عند فيثاغورث حتى مطلع الحب.

  • 89

  • صمت يصيب أعصابه بالعطب.

  • حرك جفنيه بتثاقل الحذر،

  • خشية أن يصدر عنهما صوت كفيل بإيقاظ البركان

  • في مدينة الكذب.

  • 90

  • هل أنت سفيرة تسبق شعبها بشهوة العشب،

  • تفتحين له الأرض وتشعلين قناديل الذاكرة ..

  • لكي ينسى ؟!

  • هل أنت تاج تصقله المدائح ويقود الجيوش

  • لجسارة المعنى وبسالة العشق.

  • من يطلق الأسرى إذن وبين يديك ينتخب العبيد نبيذهم

  • ويزدهرون .

  • 91

  • هل تذكر الحديد ،

  • تصبه في آنية الشكل،

  • وتنهرني لكي أسقيه ببغتة الماء ليصير أكثر صلابةً منك ،

  • فيصير.

  • هل تذكر المآتم

  • وهي تستعيد لنا تسعة قتلى

  • نتأكد في كل موسم أنهم لا يزالون تسعةً

  • ويزيدون تاجاً عاشراً.

  • هل تذكر البحر

  • وسيرة الشخص في التجربة،

  • كلما كان السرد فاتنا

  • كانت الخسارة أكثر فداحةً من السفر.

  • 92

  • يرخي بلاداً ويصقل أعضاءه

  • واحداً .. واحداً كالمساء.

  • قليل ،

  • ولكنه قادر أن يضلل بوصلة الناس،

  • ينسون أسماءهم ،

  • علهم يخرجون قليلاً عن النص

  • قبل السماء.

  • 93

  • مشيت في الناس مثل شبح يكرز للموتى ،

  • أن قوموا من ليل الوهدة ،

  • أن رقوا لنحيب القلب .

  • أمشي في ليل نداماي،

  • لا يسمعني غير زفير المحتضرين.

  • 94

  • أسس للوعول حرية السهوب،

  • فذهبت في الوادي مقتحمةً شهوة النساء.

  • لم يضع للبيت باباً،

  • وليست الجسور سوى خدعة المحاربين،

  • لئلا يقال إن قلاعهم تتخندق بالبحر.

  • جعل لكل فرس شكيمةًً

  • وللشكيمة خيطاً أكثر رهافةً من الحرير.

  • ما إن يستدير وعل حتى تقوده الريح نحو الغموض .

  • 95

  • وعوله ... له،

  • يضع جسده في مهب المحنة

  • ويهب الوعول طقس التجربة .

  • وعوله ..... عليه .

  • 96

  • كم أنت عليلة أيتها الوردة ،

  • فقد سمعت سعالك مثل العواء ،

  • لكأن قطيعاً كاملاً من بنات آوى يسكن صدرك،

  • ويبعثن منه نفثات تزخرف الليل.

  • كيف لوردة عليلة مثلك

  • أن تصبر على لبونات فادحة

  • مثل بنات آوى وقرائنهن.

  • 97

  • كل هذا الهزيع الأخير من البيت جبانة حولنا ،

  • كله الآن يمتد مثل التراتيل،

  • مثل النحيب الوحيد على القبر.

  • 98

  • قالت له النبوءة :

  • سيبكي هذا البيت كثيراً

  • سيبكي على أحياء ،

  • أكثر مما يبكي على من يموت.

  • 99

  • كنز إدخرت له العمر

  • لتراه يذهب بك ويذهب عنك ،

  • ها أنت تهوي من شرفة الحمل الفاتك،

  • السرد يلملم شظاياك

  • و البوح يسعفك .. لتموت.

  • 100

  • كلما وضعت كفني في صديق ،

  • تهتكت روحي في صديق سواه.

  • أحصيهم في الشفق بأقل مما رأيتهم في الغسق.

  • سمعت أحدهم ذات ليل يهذي لفرط الفقد :

  • ( جبانة ،

  • لا مفر لك منها بغير الموت )

  • 101

  • و أنت في اليأس ،

  • اختلجت واحتميت بالسفر ،

  • ليتولاك البحر بالأزرق والأخضر واللازورد،

  • بالحب حتى يؤنس وحشتك.

  • ففي حقائب المنعطفات ترك لك القراصنة المكتشفون

  • رسائل تدفق الخدر في الغريب،

  • وتبشر بما يجعل السجن سواراً يعصم الشخص من أحلامه .

  • و أنت في اليأس، تشقى بما يجعل قميصك

  • هزيمة الأكاذيب وفضيحة الدسائس.

  • وأنت في اليأس ، يحسبون صمتك صريخاً عليهم،

  • وهمهمتك دخان البراكين.

  • و أنت في اليأس ،

  • يسألونك .. من أنت .

  • 102

  • مثلك لا يقف مذهولاً مفتوح الجراح في الليل

  • مثلك يكتب الكلام للقلب،

  • مثلك يمنح الحلم للجسد ،

  • مثلك يرصد الموت وقرينه،

  • مثلك يغرر بمن يغفو كمن يشرب زجاج النسيان.

  • مثلك يضلل المعنى و يفتح التأويل ويقود الغيم للبحيرات

  • مثلك يجلس في الأقاصي ويصغي للباقي من الروح

  • مثلك يقرأ البحر ويرشد البوصلة ويسأل المراكب

  • مثلك يصلب في الصارية

  • فيفضح النص.

  • 103

  • تضع يدك في النار

  • لا لتعرف الطقس ،

  • لتتفادى الحريق ،

  • فتصاب بالبركان .

  • 104

  • كلما داعب الأصدقاء جراحي

  • تماثلت للموت .

  • 105

  • تريث قليلا قبل أن توصد الباب،

  • ثمة ملائكة يأتون للزيارة ،

  • فابسط لهم جسدك لئلا يصير خزانة النطاسين .

  • 106

  • مبذول لعبور الضواري ،

  • السجن نزهة لك، والقبر حصنك الأخير .

  • هل أنت فزاعة المدينة ،

  • ترى في الرمل المذعور جيوشاً مخذولةً ،

  • تصقلها وتقودها نحو البحر ،

  • لتفتح الساحل أمام تجار يتماثلون،

  • وبحارة ينسون عادة الأعماق،

  • فيصابون بخناق الماء .

  • 107

  • أرقد هناك أيها الطفل ،

  • ولا تأخذك إلينا شيمة التجربة،

  • مكانك في راحة الروح وصحة الجسد.

  • آتيك أينما كنت ،

  • ارقد هناك ، إلى أن ينسى العسكر فهرس المحنة.

  • 108

  • سميت لها الموت غيابي ،

  • وتذكرت لها النخيل الكثيف يغسله المطر قبل البحر.

  • وكنت أحصي لها أخوةً لي يموتون قبل الأوان.

  • وكنت أمضيت ليلا كاملاً أنسج لها قميصاً،

  • لعلها تغفر لي ذلك الموت .

  • وكنت أسمع بكاءها المكبوت ،

  • تموت متظاهرة بالنوم.

  • 109

  • كأنه يسمعها الآن ،

  • كأنها بين عينيه وقلبه.

  • ( إذهب بعيداً لكي تأمن العسف)

  • فيذهب طريدا

  • يترنح تحت وطأة النبوءة.

  • 110

  • ها هي المرآة) قيل إنها الذئب وقرينه )

  • تغري بسهرة الزئبق،

  • وتكبح الحب بثقة العانس.

  • حيث بوابة الجسد (قيل إنه القلب وقرينه)

  • منجم يكتنز بالمحتملات.

  • هاهي، تخدع الغريب بماء الشهوة

  • ( قيل إنها الخلق وقرينه )

  • لتلهو به.

  • 111

  • ذاكرة الذهب ، تمنح الحديد أسرار الكيمياء ،

  • وتنصح بنسيان المستقبل.

  • 112

  • وصف لها الليل ، قال :

  • حياة زاخرة بدواعي الندم ،

  • لو أنها كرت ثانية لما فررت،

  • وما تفاديت ندما واحداً منها .

  • 113

  • وكان أن صادفه شخص عابر،

  • نصحه بأن ينسى ، ويكف عن المستحيل وقرينه.

  • لم يصغ لوشاية الشخص،

  • قال : أتكفل بنفسي وأعود بها إلى الذئب .

  • 114

  • يجفل عائدا وحيداً إلى الكهف،

  • ملطخاً بالتجربة وينتحب :

  • يجب أن يسمونه القتل، هذا الذي يدعونه الحب .

  • 115

  • لشخص يفسر أسماءه بالجنون ،

  • لأطفاله ،

  • للأيائل مغدورةً ،

  • للخفي من الأصدقاء

  • يعودون للكشف عن عريهم.

  • لأطفالهم ،

  • يسألون عن الحب و القتل

  • ينسون تفاحةً ، ويستبسلون ،

  • لعينين لا تشبهان العيون.

  • 116

  • ترى في كل نأمة أملاً وتمدح اليأس،

  • وفيما نرميك بالكارثة، تقاوم نسيان الكتب بذاكرة الذهب.

  • تضع جسدك في مهب العربات الطائشة،

  • وتسمي كل عربة ضارية

  • وردة التجربة.

  • 117

  • قيل ،

  • فلما اشتبكت الأيائل بالقرون والأظلاف،

  • واشتعلت القرى بشهوة المدن،

  • تماثل الشخص لشكيمة الحيوان،

  • خارجاً عن طبيعته، فاتحاً نهر الناس،

  • لعله يروي حقلاً يوشك على الصريخ لفرط العطش.

  • قيل ،

  • ولما تسنى للأيائل الكلام، بين مأدبة البحر ومأتم التميمة،

  • لم يعد للكلام أثر ولا قيمه .

  • قيل ،

  • فلما سمعت الغابة الوعد والوعيد،

  • ورأت ما يسد الأفق على الأمل،

  • و هجست بما يبعث اليأس في الصمت.

  • كشفت الأيائل خبيئة الجبل.

  • وكانت الأيائل قد قالت الكلمة.

  • قيل ،

  • فلما اطمأن الشخص لنجاته من شهوة الناس،

  • هرب إلى ظاهر النخل،

  • و عثر على ما يجعل الغابة أكثر رأفة من النوم.

  • قيل ،

  • فلم يعد الكلام.

  • وكان أن سمعت الأيائل نشيد الفقد في ثقة المهزوم،

  • سمعت من يكرز للجرحى بحتم الموت،

  • سمعت صوتاً يفتك بالشخص والمشهد .

  • قيل ،

  • فلما أتيح للأيائل الوقت، تجرعت شوكران العصيان،

  • ففتنت بها الساحرات وهي في حبستها

  • توشك أن تنسى عادة الليل،

  • قيل ،

  • فدفع الليل بمخلوقاته لئلا يستفرد النحاة بساحرات

  • يتخفين في قطيفة الذئب ،

  • متماهيات بأشكال الخمر والقوارير.

  • قيلً ،

  • ولما كانت الأيائل تتهجى كلامها الأول،

  • كان بينها وبين زهرة النوم نهر

  • كالمسافة بين القمح في الحقل والخبز في نار البيت،

  • ثمة شباك رهيفة تمنع التلال عن ليل النبيذ ونشوة الجسد،

  • شباك تكتشف فجأة أنها الشباك.

  • قيل ،

  • تلك أيائل زهزه لها النحاة

  • بالفعل منصوباً

  • و النص مصلوباً ،

  • فاستعرت النيران في أحشائها واشتبقت الأكباد،

  • وأخذ الهياج يقود الطبيعة

  • حتى شغرت السهوب.

  • 118

  • وصف لها يديه :

  • ليستا لي ،

  • فلماذا صرت لشخص يقصر عني ولا يطال).

  • 119

  • أصغيت، كمن يتهدج ضارعاً ،

  • لكلام الصخرة المشتعلة على هاويه .

  • 120

  • أصغى لوعوله في النشيد :

  • ) نحن مروجو اليأس والنقائض،

  • فتية نعق ونجحد ونبطر ونبالغ في التيه

  • ولا أمل فينا .

  • فينا اليأس

  • اليأس و المكابرات،

  • ولشيوخ الأمل أن يتقفصوا عليه ،

  • وهو يكتهل في غفلة اللغة ، فلا يقشعر لهم بدن ،

  • ولا هم يذهبون .

  • 121

  • وعل هزمت قرونه الريح،

  • يستخف بصخرة الجبل .

  • 122

  • وصف الموت للحياة، فقال :

  • ) هو أن تكون مواجهاً الأرض بوجهك،

  • ومديراً لها ظهرك في آن .

  • 123

  • نار تكون برداً وسلاماً عليها،

  • امرأة سهرت ليعود أبناؤها من الدرس،

  • تذهب مرتديةً قميص النيران.

  • جنتها تنتظر،

  • ويتفاقم لها الجحيم .

  • 124

  • في الظلام امرأة وحيدة،،

  • تعرف أن ثمة شخصاً وحيداً مثلها في مكان ،

  • لا تخسره و لا ينالها ،

  • فتلهو به ،

  • كمن يرسم الشجرة في عاصفة .

  • 125

  • تتسابقان ،

  • نهايته وخاتمة النص .

  • ماذا سيفعل أحفادنا بمخطوطات الأمل والكتب الناقصة.

  • 126

  • خالجه يأس من يرفع جبلاً من قاع البئر.

  • مستعيداً ماء يسعف الحنجرة ويبرئ الفؤاد.

  • يدير بصره في عتمة المكان.

  • فيما الصمت كثيف،

  • والخطأ أجمل من الصواب.

  • خطأ في هيئة الصمت.

  • يحس به الشخص ويلمسه

  • وهو ينداح ببطء كدخان ثقيل

  • يلوب في فضاء محبوس.

  • 127

  • يختلط عليه الشكل ،

  • هل قدح أم قصعة أم قارورة.

  • يأخذ شكل الخمر وسرها ،

  • هل ماء قديم ينحت الشكل على الهوى و المزاج .

  • هل الخمر تخدع الزجاج ،

  • أم أن للزجاج سلطة الرؤى.

  • 128

  • تحتضن الأم أطفالها

  • تصقل معاصمهم لحديدة الوقت ،

  • و تؤهلهم لتبادل النوم

  • في النص

  • و الصاعقة.

  • 129

  • جئت ،

  • جئت، ولم يكن أحد هناك.

  • 130

  • كتيبة الأيائل

  • ريف يحزم المدن .

  • كاتبها سيد الجبل

  • وخبأ لها مباغتات وسهوباً مثقوبةً ومنحدرات ،

  • يتدهور فيها قليل الخبرة والطائش

  • وربيب المحنة.

  • 131

  • لك أن تسمع الباب في هودج النشيد.

  • تسمع هذا الصوت في ليل الحرير تاجا يتصاعد،

  • مثل اللهب في شهوة التجربة.

  • تسمعه، فتنتابك شهقة الصقر وهو يتعلم الهواء على هاوية،

  • وأمه تحلق أمامه،

  • تغريه بحنان الريح .

  • 132

  • من مات قبل الطقوس له جنة

  • ومن لم يمت.. لا يموت،

  • بكينا له

  • عله يخدع الموت من أجلنا

  • علنا نحضر العرس في مهرجان البيوت .

  • 133

  • قيل له :

  • "لا تقصص رؤياك لها، فلا هي تفسير لك،

  • ولا تتيح لتأويلك حرية البوح "

  • سمع الشخص الكلام، لكنه وقف في نهاية الرواق ،

  • ينتظر طيفها العابر ، يصغي إلى نفسه وهو يسرد الحلم،

  • كمن يستمع لشخص بتقمصه ،

  • يغويه وينتصر عليه.

  • 134

  • بينهما ،

  • يمكن للضغائن أن تزدهر،

  • والعناق على أشده.

  • 135

  • حانة المدينة

  • ثديان مليئان بغيوم وغيبوبات،

  • منهما سوف تشخب هذه السهوب

  • ويختض صعيد الأرض المغدورة.

  • يتأرجحان مثل قرب مذعورة.

  • حانة المدينة، أقداح مبذولة لجنون الأنخاب

  • و احتدام الندماء ،

  • في عراك يشحن الصدور بأحلام المنتظرين.

  • 136

  • لكن ،

  • شمس واحدة لم تعد كافية

  • لنهار كئيب مثل هذا .

  • 137

  • قصعة اللغة متروكة تحت عقب الليل،

  • وأنت تلهين بي ،

  • يقودك مزاج المهرج و حكمة الحاوي.

  • وحدك في الليل ووحدي للنهار.

  • واللغة في همل القصعة ،

  • تحت بخار الشبق وزفير العفة

  • نتبادل أدوار الخسارة ،

  • وننسى .

  • 138

  • كلما فتح كتاباً قرأ لاسمه إسماً آخر،

  • تقتسمه القواميس

  • وترثه المعاجم.

  • 139

  • يعتزل ، يقعد عن الحرب ،

  • لكنها تأتيه،

  • دائماً تأتيه .

  • 140

  • وكان حين يدرك روحه النعاس، يودع أصدقاءه

  • ويموت على مضض.

  • 141

  • الحب أيضاً طريق للموت

  • الحب أيضاً زهرة للخسران

  • الحب أيضاً جنة الفقد

  • الحب أيضاً حديدة الغريق

  • الحب أيضاً هندسة الخاتمة

  • الحب أيضاً

  • ذريعة الضغائن .

  • 142

  • وكنت أموت أحياناً .

  • 143

  • لا أحسن الذهاب في الخريطة،

  • فلا أنا مسافر ولا مقيم،

  • وليست الأمكنة غير أغلال

  • تكبر كلما صقلها الرحيل .

  • 144

  • كليم الماء

  • جرحه ليس له ،

  • جرحه عليه ،

  • سماه جسدا ،

  • وكان بين حديد يتغرغر بماء الشهوة

  • وحديد يصدر عن جحيم التجربة .

  • 145

  • والذي حك رسغيه في صخرة الليل

  • من أين ينسى ؟!

  • 146

  • كلمات يؤثث بها القبر،

  • مثل شخص يمنح نفسه مديح العرس.

  • 147

  • يغمض عينيه ليرى النص بقلبه،

  • ويهمس مثل صلاة :

  • (أيها الموت ..

  • يا حبيبي)

  • 148

  • بغتة يعترف الطفل بأخطائه

  • وصدفةً يموت،

  • تكترث الذكرى بأسمائه

  • وتغفل البيوت.

  • 149

  • هذا ليس موتاً ،

  • إنها مثابرة الغياب .

  • 150

  • يخافني الناس لبشاعة الظاهر،

  • و أخاف الناس لبشاعة الباطن.

  • 151

  • نحيل ،

  • ينام تحت جلده، مثل ملاءة ،

  • ويفسح حيزا لأحلامه.

  • 152

  • كلما فتحت شرفة على الماء،

  • اندلعت اللغة مثل قميص يبكي جسداً.

  • 153

  • أيها الحزن،

  • يا حزن، يا حزن،

  • بالغت بالنصل

  • غيبتني في الهلاك.

  • ويا حزن يا منتهاي ،

  • انتهيت،

  • و أرخيت عيني لليل

  • كي لا أراك.

  • فيا حزن يا حزن

  • ماذا سيبقى لنا ،

  • عندما ننتهي من بكاء البقايا ،

  • سواك ؟!

  • 154

  • نقلت روحي من النص للحاشية ،

  • وهيأتها لاحتمال الغياب،

  • كأن الكتاب،

  • سيمنحني ناره الفاشية.

  • 155

  • يقول لنا ، كأنه يصغي :

  • ( الخاسر، لا يخسر شيئا )

  • 156

  • خارج من غيمة ،

  • وثلاث حالات من الكابوس ، تتبعني ،

  • فأقداحي مصادرة ، وليلي شاحب ،

  • ونسيت من يغتالني ،

  • فتركت نومي شاغراً ،

  • وزجاجة الميزان تغريني بموت صامت ،

  • وعلي أن أختار

  • بين عدوى اليومي والخصم المؤجل.

  • هارب من غابة ،

  • وثلاث ساعات من المدح الكثيف ،

  • لكي أرى قنديلة الفتوى تؤجلني .

  • 157

  • يقتسمون تفاحاً طرياً كلما استحضرت صورتهم ،

  • ويضفون الغيوم على سلال الرأس .

  • أصحاب ،

  • ويحتفلون في غيبوبة الذكرى بتذكارين :

  • وهم فاتك يحنو على تاريخنا الشخصي ،

  • أو أرجوحة الأحلام تمنحنا ظلاماً سيداً .

  • يا أصدقاء الليل ،

  • هل أجسادنا منذورة للنصل أم للنص ،

  • كي نرثي حديقتنا ونمدح موتنا ،

  • وننام قبل الوقت ؟!

  • 158

  • نسيانهم لا يكفي

  • واستعادتهم من المستحيل .

  • 159

  • قدحي تفيض ،

  • و لي احتمالات من النزوات

  • تاريخ الشراك وجنة الأخطاء لي

  • ولي النقيض .

  • 160

  • آن للشخص أن يمنح النص

  • ما يشتهي ،

  • آن للروح أن تنتهي .


أعمال أخرى قاسم حداد



المزيد...
نحن نستخدم كوكيز خاصه بنا و بأطراف أخرى لتحسين خبره المستخدم فى موقعنا و أيضا هى ضروريه لإتمام بعض العمليات التى يطلبها المستخدم على الموقع إذا إستمررت فى التصفح فسوف نعتبر أنك توافق على إستخدام الكوكيز. يمكنك الحصول على المزيد من المعلومات هنا. x