أقاموا بعضَ يومٍ فاستقلّوا ( علي الجارم )



  • أقاموا بعضَ يومٍ فاستقلّوا

  • فطار القلبُ يخفِقُ حيثُ حلّوا

  • مضت بهمُ النجائبُ مُصْعِداتٍ

  • تَمَلُّ بها الطريقُ ولا تَمَلُّ

  • زواملُ لم يُعِّوقْهُنّ ليلٌ

  • ولم يُثْقِلْ كواهلَهُنّ حِمْل

  • رآها آدمٌ وَعَدَتْ بنُوحٍ

  • وولَّى بعدَها نَسْلٌ ونسل

  • يسايرهُنَّ أنَّي سِرْنَ بَيْنٌ

  • ويتبعهُنّ حيثُ ذهبنَ ثُكْل

  • هَوَتْ أمُّ الركائب كيف سارت

  • وهل تدري الركائبُ من تُقِلّ

  • أسائلها وقد شطّتْ وقوفاً

  • وأيْنَ من الوقوفِ المُشْمَعِلُّ

  • طفِقْتُ أمدُّ نحوَ الركبِ طَرْفي

  • فَغَصَّ الطرفَ كُثْبانٌ ورمل

  • وقمتُ أُطِلُّ من شَرَفٍ عليهم

  • فخانتني الدمُوعُ فما أُطلّ

  • وناديتُ الحبيبَ فعاد صوتي

  • وفي نَبَراتِه هَلَعٌ وخَبْلُ

  • أصاخ له من الصحْراء نَجْدٌ

  • فردّده من الصحراءِ سهل

  • إذا بدت الغزالة ُ ثم غارت

  • علِمنا أن هذا العيشَ ظِلّ

  • هي الدنيا فليس لها ذِمامٌ

  • وليس لها على الأيام خِلّ

  • إذا أعطت فقد أعطت قليلاً

  • ولا يبقَى القليلُ ولا الأقلّ

  • تدورُ فبْينَ شيخٍ أسكتته

  • مَنيَّتهُ وطفلٍ يَسْتهِلُّ

  • لها نهل من الأمم المواضى

  • ومما تنسل الأيام علّ

  • نعودُ إلى الترابِ كما بدأنا

  • فكُلُّ حياتِنا نَقْضٌ وغَزْل

  • رأيتُ لكلِّ مشكلة ٍ حُلولاً

  • ومشكلة ُ المنيِّة ِ لاتُحلّ

  • إذا كان الفَناءُ إلى بقاءٍ

  • فأنجَعُ ما يُصِحُّك ما يُعِلّ

  • بنفسي في الثرى غُصناً رطيباً

  • يرِفُّ من الشبابِ ويَخضَئل

  • تُضاحكُه لدى الإصباحِ شمسٌ

  • ويلثِمه لدى الإمساءِ طَلَ

  • كأنّ حَفيفَه نَضْراً وريقاً

  • بسمعي حَلْيُ غانية ِ يصِلُ

  • يميلُ به النسيمُ كأنّ أُمًّا

  • يميلُ بصدرِها الخفّاقِ طفلُ

  • إذا اشتبهت غُصُونُ الروضِ شَكْلاً

  • فليس لقدِّه في الحسنِ شكلُ

  • ضَنْنتُ به وجُدتُ له بنفسي

  • وإنّ الحبَّ تبذيرٌ وبُخل

  • وكنتُ أشَمُّ ريحَ الخُلْدِ منه

  • وأهنأ في ذَراه وأستظِلّ

  • وقلتُ لَعلّه يبقَى ورائي

  • بدَوْحَتِه فما نفعت لَعلّ

  • فَسَلْ عنه العواصفَأيُّ نَوْءٍ

  • أطاح به وأيَّ ثَرَى يحُلّ

  • نأَى عنّي وخلّف لي فؤاداً

  • يذوبُ أسى ً عليه ويضمحلُ

  • يُبلُّ على التداوي كلُّ جُرْحٍ

  • وجُرْحُ القلبِ دامٍ لا يُبِلّ

  • أشرتم بالرثاءِ فهجتموني

  • وتعذيبُ الذبيحة ِ لا يحِلُّ

  • فضلّ الشعرُ في وادي الثُكالَى

  • وكان إذا تحفّز لا يضِلّ

  • خذوا مني الرثاءَ دموعَ عينٍ

  • تَكِلُّ المُعْصِراتُ ولا تكِلّ

  • وآلامَ الجريح أطلّ نَبْلٌ

  • يزاحمِ جانبيْه وغار نَبل

  • وشعراً يُلهبُ الأشجانَ جَزْلاً

  • كما أذكَى لهيبَ النارِ جَزْل

  • فليس به مع الأنّاتِ خَبْنٌ

  • وليس به مع الزفَرات خَبْلُ

  • له نَغَمٌ يعِزُّ عليه مِثلٌ

  • على ماضٍ يَعِزُّ عليه مثلُ

  • لعلّ به لمن فُجعوا عزاءً

  • فإنّ جميعَنا في الحزنِ أهل

  • فقد يشفى بكاءٌ من بكاءٍ

  • كما يشفى أليمَ الْجُرْحِ نَصْلُ

  • بكى خيرُ البرية ِ خيرَ طفلٍ

  • ودمعُ العينِ في الأحداثِ نُبل

  • مضى النجارُ والعلياء حِصْنٌ

  • عليه بعده بابٌ وقُفْل

  • به جمع الحجا للعلمِ شَمْلاً

  • فبُدِّد بعده للعلم شمل

  • له حججٌ يُسمِّيها كلاماً

  • وماهي غيرُ أسيافٍ تُسَلّ

  • إذا فاضت ينابعُه خطيباً

  • علمتَ بأن ماءَ البحرِ ضَحْل

  • يذِلُّ له شَموسُ القوْلِ طوْعاً

  • ويستخذِي له المعنى المُدِلّ

  • بيانٌ مشرقُ اللمحاتِ زاهٍ

  • وقولٌ صادقُ النّبرَاتِ فَصْل

  • وآياتٌ تُرى فيها ابنَ بحرٍ

  • يصولُ كما يشاءُ ويستدلُّ

  • يفُلُّ شَبا الخصومة كيف كانت

  • برأيٍ كالمهنّدِ لا يُفَلّ

  • فذاك الفضلُ جلّ اللهُ ربّي

  • فليس يُحَدُّ للرحمنِ فضل

  • رأيتكَ والردَى يدنو روْيداً

  • إليكَ كما دنا للفتك صِلُّ

  • فوجهُك ذابلٌ والصمتُ هَمْسٌ

  • ومشيُك واهنُ الْخَطَواتِ دَأْل

  • تجرُّ وراءكَ السبعينِ عاماً

  • وللسبعينَ أَرْزاءٌ وثِقْل

  • مشيتَ كأَنّ رِجْلاً في بساطي

  • تسيرُ بها وفوق القبرِ رِجْل

  • أتيتَ تزورني فهُرِعْتُ أسعَى

  • إليكَ ودمعُ عيني يستَهل

  • وكان عِناقُنا لمّا افترقنا

  • وَثَاقاً للمودّة ِ لا يُحَلُّ

  • ذممتَ لِيَ المشيبَ وفيه حَزْمٌ

  • وأطريتَ الشبابَ وفيه جهل

  • وأين الْحَزْمُ ويْحَكَ يا ابنَ أُمِّي

  • إِذا ما خانني جسمٌ وعقل

  • أتذكرُ إذ تَمازَحْنَا لتنسَى

  • وقد أدركتَ أنَّ المزحَ خَتْل

  • إذا أمَلَ الفتَى فالهزلُ جِدٌّ

  • وإن يئِسَ الفَتى فالْجِدُّ هزل

  • فديتك هل إلى الأخرَى بَريدٌ

  • وهل لتزاورِ الأرواحِ سُبْل

  • وهل يبقَى الفتَى بعد المنايا

  • له بالأهلِ والإخوانِ شُغْل

  • وهل تصِلُ الدُّموعُ إلى حبيبٍ

  • ويعلَمُ حُرْقَة َ الأشجانِ نَجْل

  • وهل لي بينَ من أهوَى مكانٌ

  • إِذا قوَّضْتُ رحلي أو مَحَلُّ

  • وهل في سَاحَة ِ الجنّاتِ نهرٌ

  • يزولُ بِمائهِ حِقدٌ وغلّ

  • وهل إن ساءل الأحياءُ قبراً

  • يُجابُ لصيحة ِ الأحياءِ سُؤْل

  • لقد جلّ المصابُ وجلّ صبري

  • عليكَ وأَنت من صبري أَجَلّ

  • فقم واخطب بحفلِك وكم تَغَنّى

  • وهام بصوتِكَ الرنّانِ حَفْلُ

  • وذكّرنَا اليقينَ فكم عقولٍ

  • تكادُ عليك من شَجَنٍ تَزِلّ

  • وقل إنّ الفناءَ إلى خلودٍ

  • وإنَّ زخارفَ الأيامِ بُطْل

  • وإنّ الموتَ إطلاقٌ لروحٍ

  • معذَّبة ٍ وإنَّ العيشَ غُلّ

  • شبابُ المسلمين بكلِّ أرضٍ

  • عليكَ ثناؤهم فرضٌ ونَفْلُ

  • أخذتَ عليهِمُ للحقِّ عهداً

  • فوَفوْا بالعهودِ وما أخلّوا

  • شبابٌ إن دعا القرآنُ شُمْسٌ

  • وإن تستصرِخ النّجَداتُ بُسْل

  • بنو العرب الذين عَلَوْا وسادوا

  • سما فرعٌ لهم واعتزَّ أصل

  • فنم ملءَ الجفونِ أبا صلاحٍ

  • ففي الجناتِ للأبرارِ نُزْل

  • يطوفُ بقبرِك الزاكي سلامٌ

  • وينضَحُه من الرَّحَماتِ وَبْل

  • وهاك رثاءَ محزونٍ مُقِلٍّ

  • وما أوْفَى إذَا بذلَ المُقِلّ


أعمال أخرى علي الجارم



المزيد...

العصور الأدبيه

نحن نستخدم كوكيز خاصه بنا و بأطراف أخرى لتحسين خبره المستخدم فى موقعنا و أيضا هى ضروريه لإتمام بعض العمليات التى يطلبها المستخدم على الموقع إذا إستمررت فى التصفح فسوف نعتبر أنك توافق على إستخدام الكوكيز. يمكنك الحصول على المزيد من المعلومات هنا. x