حوار في ساحة المطاف ( عبد الرحمن العشماوي )



  • مرَّ عامٌ، أهكذا مرَّ عامُ

  • هكذا طوَّفتْ بنا الأيّامُ؟!

  • مرَّ عامٌ، كأنَّما مرَّ شهرٌ

  • عجباً، هل تلاشت الأعوامُ؟!

  • كيف صار المولود فينا رَضيعاً

  • ومتى حُقَّ للرضيع الفِطامُ؟

  • ومتى أصبح الفَطيم غُلاماً

  • ومتى جاوز البلوغَ الغُلامُ؟

  • ومتى أصبح الغُلام لدينا

  • رجلاً، تَحتفي به الأقلامُ؟

  • ثم أضحى شيخاً حنَتْه الليالي

  • فهو كالجذع مالَ منه القَوامُ

  • ليت شعري، أهكذا العمرُ يَمضي

  • حين يمضي، وما يُحسُّ الأَنامُ؟؟

  • كنتُ في ساحةِ المطاف وقلبي

  • مُطمئنٌّ، والطَّائفون الْتِحَامُ

  • كنت في ساعةٍ، تحلِّق روحي

  • في مَداها، وتُشرق الأحلامُ

  • ها هنا تلتقي نفوسُ البَرايا

  • يافثٌ هاهُنا و حَامٌ و سَامُ

  • صورةُ الحجِّ لوحةٌ من جلالٍ

  • تتجلى فيها أمورٌ عظامُ

  • كنت أستوقف الخيالَ فيأبى

  • كيف باللهِ، يُوقَفُ الإلهامُ؟!

  • طافَ بي حينَها شعورٌ عجيبٌ

  • بسؤالٍ يُماطُ عنه اللِّثامُ

  • مَوْسِمَ الحجِّ، كيف عُدْتَ إِلينا

  • بعد شهرٍ، وَوَعْدُ لُقْياكَ عامُ؟

  • كنتَ بالأمس عندنا، دون شكٍ

  • نظري فيكَ دائماً لا يُضامُ

  • كنتَ بالأمس في المشاعر تمشي

  • في خشوعٍ، لباسُكَ الإِحرامُ

  • حولَك الناسُ بالأُلوفِ تلبِّي

  • فتجيب البِطَاحُ والآكامُ

  • كنتَ بالأمس في المقام تُصلِّي

  • لو سألنا، أجاب عنك المقامُ

  • كنتَ ترمي الجِمَارَ بعد زَوالٍ

  • للحصى، حينما رَمَيْتَ، ضِرامُ

  • كنتَ بالأمس في طوافِ وداعٍ

  • تسأل اللهَ أنْ يطيب الختامُ

  • أوَ ما بِتَّ في مِنَىً قبلَ شهرٍ

  • ودليلي على المبيتِ الخيامُ

  • أوَ ما كُنتَ في رُبَى عَرَفاتٍ

  • واقفاً، والجموعُ فيها قيامُ

  • أيّها الحَجُّ، كيف عُدْتَ، أَجبْني

  • قبل أنْ يُعجزَ اللِّسانَ الكلامُ؟

  • أنتَ رُكْنٌ مُخصّصٌ بزمانٍ

  • مثلما خُصَّ بالزمانِ الصِّيامُ

  • فلماذا أتيتنا بعد شهرٍ

  • قبل أنْ يتركَ العيونَ المَنام؟

  • مدَّ كفَّا إليَّ، يمسح رأسي

  • وعلى ثغره يلوح ابتسامُ

  • قال لي ضاحكاً : لقد مرَّ عامٌ

  • منذ ودَّعتكم، وأنتم نيامُ

  • ودليلي، هذي المشاعر تنمو

  • وعليها صَرْحُ العَطاءِ يُقام

  • كلَّ عام تمتدُّ فيها جسورٌ

  • ودروبٌ، بها تخفُّ الزِّحام

  • خدْمةٌ للحجيج تُسعد قلبي

  • واحتفاءٌ بشأنهم واهتمامُ

  • خَيْرُ هذي البقاع يَمْتَدُّ فوقي

  • كلَّ عامٍ، كما يُمَدُّ الغَمام

  • مَرَّ عامٌ على طوافِ وَدَاعي

  • حَدَثتْ فيه حادثاتٌ جِسَامُ

  • ودليلي تَجدُّدُ الجرحِ فيكم

  • والنفوسُ التي طَواها الحِمَامُ

  • والبيوتُ التي تُهدَّم ظُلْمَاً

  • والضحايا، والقتلُ، والإِجرامُ

  • ودليلي انتفاضةٌ فجَّرَتْها

  • في فلسطينَ طفلةٌ وغُلامُ

  • والثَّكالى، قلوبهنَّ انكسارٌ

  • يتلظَّى ببؤسها الأَيتامُ

  • ودليلي الشيشانُ تُخْبِرُ عنها

  • كلَّ يومٍ أشلاؤها والحُطَامُ

  • ودليلي كشميرُ في القلب منها

  • حَسراتٌ، لهنَّ فيه احتدامُ

  • ودليلي العراقُ ما زال يبكي

  • ويُغنِّي بجرحه (صَدَّامُ)

  • لو سألنا بغدادَ عنه لقالتْ

  • صِحّةُ الاسم عندنا (هَدَّام)

  • ودليلي نهايةٌ لنظامٍ

  • عالميٍّ يَفرُّ منه النّظامُ

  • وانكشافُ الغطاءِ عَمَّا يُسمَّى

  • بسلامٍ، وليس فيه سَلاَمُ

  • مَرَّ عامٌ، لديَّ أَلْفُ دليلٍ

  • فلماذا تَسْتَغلِقُ الأَفهامُ؟

  • مرَّ عام شهوره ناطقاتٌ

  • ما بها لَكْنَةٌ ولا إِعجامُ

  • تُشرق الشمسُ فيه كلَّ صَباحٍ

  • ويُغطّيه في المساءِ الظلامُ

  • وَيَهُلُّ الهلالُ فيه، ويبقى

  • في نُموٍّ، حتى يكونَ التَّمَامُ

  • مرَّ عامٌ، هذي الحقيقةُ، لكنْ

  • أنتم الغافلون عمَّا يُرامُ

  • صار يُلهيكم التكاثُرُ حتى

  • فَرِحَ (القَسُّ) وانتشى (الحَاخامُ)

  • وبدا للبعيد منكم خضوعٌ

  • فرماكم، وطاوعتْه السِّهامُ

  • لم يُصِبْكم إلاَّ لأنَّ خُطاكم

  • وقفتْ حَيْثُ ساخت الأَقدامَ

  • وإذا نالت المذلَّةُ قوماً

  • طافَ أعداؤهم عليهم وحاموا

  • واستباحوا دَمَ الكرامةِ فيهم

  • ليت شعري متى يُفيق الكرامُ؟!

  • فلماذا تُخبِّئونَ رؤوساً

  • مثلما تدفن الرؤوسَ النَّعَامُ؟

  • موسمَ الحجِّ، يا حبيبَ قلوبٍ

  • صاغها من ضيائه الإِسلامُ

  • مرَّ عامٌ، نعم، ولكنَّ مثلي

  • في مَرامي سؤالهِ، لا يُلام

  • قَصُرتْ خُطْوَةُ الزَّمانِ وفينا

  • أيُّها الموسم الحبيب انهزامُ

  • أثقلتْنا بالهمِّ دُنيا، هَواها

  • طُحْلبيٌّ، والوَجْهُ منها جَهَامُ

  • بعضُنا لم يزلْ يُخادع بعضاً

  • ولكَم يَتْبَعُ الخداعَ انتقامُ

  • كلُّنا نعرف انتقاصَ اللَّيالي

  • وقليلٌ منَّا الذين استقاموا

  • كلُّنا، أيُّها الحبيبُ نُغنِّي

  • غيرَ ألحانِ مجدِنا، والسّلاَمُ


أعمال أخرى عبد الرحمن العشماوي



المزيد...

العصور الأدبيه

نحن نستخدم كوكيز خاصه بنا و بأطراف أخرى لتحسين خبره المستخدم فى موقعنا و أيضا هى ضروريه لإتمام بعض العمليات التى يطلبها المستخدم على الموقع إذا إستمررت فى التصفح فسوف نعتبر أنك توافق على إستخدام الكوكيز. يمكنك الحصول على المزيد من المعلومات هنا. x