أسطورة الخيام ( إبراهيم العريض )



  • في أرض إيرانَ حيث الهَضْبُ لابسةٌ

  • زنّارَها من الثلوجْ كالحُورْ

  • تستقبل الشمسَ .. والأنهارُ هامسةٌ

  • أسرارَها بين المروجْ للنُّورْ

  • جلا الربيعُ بنيسابورَ موكبَهُ

  • فزاد عِيداً إلى أعيادها الأُخَرِ

  • يا ناعماً في ربوع الخلدِ ليلتَهُ

  • مسّتْ خطاكَ ثرى الوادي مع السَّحَر

  • فلم تزل خُفَراءُ الطيرِ تهتف في

  • أفنانها لنجومِ الأرضِ بالخبر

  • حتى تلألأنَ في ضوء النهارِ ثُنًى

  • وفزنَ منك فُرادى بالشذى العَطِر

  • فالزهرُ في قاعها يفترّ مَبسمُهُ

  • يا ليلُ هل صبغتْ فاهُ يدُ القمر؟

  • والعشبُ من حولها يزهو بخضرتهِ

  • يا أفقُ هل هو ميدانٌ إلى النظر؟

  • والطيرُ من فوقها في ظلّ وارفةٍ

  • يا غُصْنُ هل أخذتْه رَشّةُ المطر؟

  • والنهرُ من تحتها في موجه أَلَقٌ

  • يا شمسُ هل هو مرآةٌ إلى الشجر؟

  • إني لأسمعُ في أرجائها ضَحِكاً

  • كنغمةٍ بعثتْها هِزّةُ الوتر

  • يا من يُؤمّل في الفردوس بُغْيتَهُ

  • قَررتَ عيناً بها في هذه الصور

  • لَبِّ الحياةَ فقد عمّتْ بدعوتها

  • وما الربيعُ سوى تجديدِ ذكراها

  • ***

  • ***

  • أتى الربيعُ إلى الدنيا كعادتهِ

  • بما اجتناهْ من الجِنانْ ملءَ اليدِ

  • فكاد يشغل عنها في عبادتهِ

  • بما رآهْ من الحسانْ في المعبدِ

  • وأقبلتْ تتهادى في غلائلها

  • بنتُ الجِنان تُحيّيها كحوّاءِ

  • لو حاول الليلُ أن يغزو غدائرَها

  • لماج يسأل: أين الكوكبُ النائي

  • تَضاحكَ الوردُ لما قيل وجنتُها

  • أكنتَ، يا وردُ، مَشغوفاً بإطراء؟

  • فأسفرتْ عن مُحيّا في بشاشتهِ

  • يكاد يقطر منه الحسنُ كالماء

  • شفَّ الحريرُ الذي وارى ترائبَها

  • عن فاتنَيْنِ.. فهل هَمّا بأشياء

  • لم تسحبِ الذيلَ فوق الزهرِ سائرةً

  • إلا ومال يُزّكيها بإيماء

  • حتى أتتْ مَحْفلاً في الروض منزوياً

  • قد لاذ في السُّكْر أهلوه بأفياء

  • هذا أخو شيبةٍ ألقى اليراعَ على

  • ما خطّه وانثنى في شبه إغفاء

  • فهيّأتْ كأسَه... حتى إذا نظرتْ

  • ما في الصحيفة .... غَنّتْ للأحبّاء

  • والشوقُ في دمها والعُودُ في يدها

  • يُعيد نغمتَها الأولى بأصداء -

  • يا نائماً في ظلال الكرمِ وابنتُهُ

  • في الحُلْم تُؤنسه.. قُمْ وارتشفْ فاها

  • ***

  • ***

  • هذا الجمالُ الذي كم وَد َّناظرُهُ

  • في ميعةٍ من صباهْ لو نالهُ

  • يا وردُ مثلكَ إنْ حيّاه شاعرُهُ

  • بنغمةٍ مِن هواهْ أصغى لهُ

  • شيرينُ غنّيتِ صوتاً كان يطربني

  • ليت الأحبّاءَ عادوا لي مع النغمِ

  • ناموا.. وهدهدتِ الأزهارَ بعدَهُمُ

  • يدُ الربيعِ على عيني.. فلم تنم

  • ذكّرتِني بشبابي إذ تطوف بهِ

  • في باحة الخُلْدِ آمالٌ مَدى الحُلُم

  • إذ كنتُ أُطلق نفسي في سجيّتها

  • فلا تَني السبقَ من جَرْيٍ على قدم

  • أشكو مواقعَ عينَيْ كلِّ فاتنةٍ

  • مفتونةٍ بالذي أجلو من الشَّمَم

  • باحت بسِرِّ شَكاةِ القلبِ رائعةٌ

  • تلوح كالبرق في داجٍ من الظَّلُم

  • ما للبياض - أحال اللهُ جِدَّتَهُ -

  • يُفضي إلى الهمِّ ... لا يُفضي إلى الهِمَم

  • نُعدّ للصبر أنفاساً مُحرِّقةً

  • حتى تَحولَ رماداً فحمةُ اللِّمَم

  • لأقطعنَّ نياط َالقلبِ إنْ وجدتْ

  • نفسي سبيلاً إلى غرس المنى بدمي

  • فلو سفرتِ عن الآمال كان بها

  • ما بي من الزمن الموفي على الهَرَم

  • فجَدّدي ليَ باللحن الجميلِ رؤىّ

  • لا زلتُ تحت ظلال الكرمِ أرعاها

  • ***

  • ***

  • يا طَرْفَها إنه قَضّى الحياةَ إلى

  • مشيبهِ في اكتناهِ الشُّهْبِ

  • وظلّ مَجمرُه في الأرض مشتعلا

  • بطيبهِ لإلهِ الحُبِّ

  • شيرينُ حسنُكِ أعطى الأرضَ زينتَها

  • حتى ولو لم يزنْها كفُّ نَيْسانِهْ

  • فكيف والطيرُ قد بلَّ الندى فمَهُ

  • فطار يملأ مَغناها بألحانه

  • هذا الربيعُ قد استلقى بحاشيةٍ

  • من الزهور على الوادي وشُطآنه

  • يُصيخ للبلبل العربيد.. وَهْو على

  • أرجوحةٍ من نسيم الروضِ أو بانه

  • يهزّ أرجاءَها هزّاً بنغمتهِ

  • ولا يفيق - كأن السكرَ من شانه

  • فلقِّنِيه من الألحان أطربَها

  • إلى النفوس... وجازيه بإحسانه

  • وبادلي الروضَ أنفاساً مُعطَّرةً

  • فما أرقَّ الصَّبا في ظلّ أفنانه

  • وضاحكي الوردَ في إبّان حُمرتهِ

  • فربّما عاد مطويّاً لأشجانه

  • ودونكِ النهرُ.. فانْسِي في تَدفّقهِ

  • هذا القميصَ الذي يُزري بإنسانه

  • أما كفى الحسنَ أنّ الموتَ يرصدُهُ

  • فما له في الصِّبا يسعى بأكفانه

  • وقبّلي الكأسَ ما دامت مُشعشعةً

  • ولا تشحّي على ثغري بُبقياها

  • ***

  • ***

  • يا ربّةَ الحُسْنِ إن السُّكْرَ مبعثُهُ

  • عيناكِ وحدَهما لا الكاسْ

  • وأين من شفتيكِ السِّحرُ ينفثهُ

  • صرعاكِ باسمهما في الناسْ

  • طافت عليهم بها كالشمس ساطعةً

  • يرى على الخَدّ من لألائها شَفَقُ

  • فعبَّ فيها ثلاثاً وَهْي تسندُهُ

  • حتى تَماسكَ في أحشائه الرَّمق

  • وعاودَ العُودَ شيءٌ من تململهِ

  • لما غدا العُودُ بين الجمر يحترق

  • فظلّ يبعث في الأسماع أنّتَهُ

  • موصولةً دون أن ينتابَها قلق

  • ثم استمرّتْ تُغنّيهم - بما حملتْ

  • يدُ الربيعِ لهم - والعودُ يصطفق

  • يا عاشقَ الوردِ ما جاء الربيعُ لكي

  • يحيا حبيبُكَ محفوفاً به الورق

  • وصوتُها ماج بحراً لا هدوءَ لهُ

  • من كلّ نجمٍ على أمواجه أَلَق

  • يعلو.. فتحسبه شَقَّ القلوبَ إلى

  • حَبّاتِها.. وطوى آلامَها الغرق

  • حتى إذا خفَّ - مغموراً بموجتهِ -

  • شيئاً فشيئاً ... تراءى حولها الأُفُق

  • فمال كلُّ نديمٍ في تَرنُّحهِ

  • على سواه من الصوت الذي عشقوا

  • فاقطفْه في زهوه.. وانظرْ إلى دمهِ

  • هل مازجَ الكاسَ إذ تسقي وتُسقاها

  • ***

  • ***

  • بات الهزارُ بقرب الوردِ يعبدُهُ

  • يا طلُّ كنْ كالخمرِ رقراقا

  • وقُلْ إلى النجم إنّ الفجرَ موعدُهُ

  • يظلُّ حتى الفجرِ بَرّاقا

  • وتَمّ للشمس في الأفلاك جولتُها

  • فجاوزت بخُطاها الغربَ في خَفَرِ

  • وظلّ من بعدها ما احمرَّ من شفقٍ

  • يسائل الأرضَ هل غابت عَنِ النظر

  • فانفضّ في الروض حفلٌ كان مُنشدُهُ

  • من الطيور وساقيه من الزَّهَر

  • وأقبلَ الليلُ يحدوه تَطلُّعُهُ

  • إلى الذي خلّف الندمانُ من أثر

  • يا ليلُ اِنفرطَ العِقْدُ الذي امتلأتْ

  • به يداكَ ففاض الكونُ بالدُّرَر؟

  • لولا سناها لما عاينتَ شاعرَهُمْ

  • وقد تَوسّدَ كفَّيْه على النَّهَر

  • بجنب شيرينَ.. مأخوذاً بروعة ما

  • تُدليه في مائه الجاري من الشَّعَر

  • ووجهُها باسمٌ يُغني بطلعتهِ

  • عن الشموعِ - ويُمناها على الوتر

  • قال: انظري كيف يبدو في الظلام لنا

  • سِرُّ الجمالِ الذي يَخفى مع السَّحَر

  • شيرينُ لو كان لي بعد البِلى أملٌ

  • لما تمنّيتُ إلا ثانياً عُمُري

  • فعشتُ في هذه الدنيا كعهدكِ بي

  • للحسن.. يُشعل لي ناراً فأغشاها

  • ***

  • ***

  • للحسن فينا - كما فيه لنا - وَطَرُ

  • من لم يَحُمْ بين يَدَيْ نُوْرِهْ

  • عاش الندامى وحَلّى كأسَهم قَمَرُ

  • على النغمْ

  • من عرش دَيْـ.. ـجُوْرِهْ

  • عاد الربيعُ لنيسابورَ ثانيةً

  • وقد تبدّلَ زاهي أمسِها بغدِ

  • فكان في الموكب التالي كسابقهِ

  • يمشي مع الحُسنِ مختالاً.. يداً بيد

  • كم ذاب قلبُ هَزارٍ في تَرنُّمهِ

  • حتى تَضوَّعَ هذا الزهرُ وَهْو ندي

  • عاد الربيعُ.. وقد حفَّ الحِسانُ بهِ

  • إلا الذي كان يهوى الحُسْنَ لم يَعُد

  • سَلِ الورودَ وقد وارت بكِلَّتِها

  • ضريحَه لِمَ لمْ تُكْثِر من العدد

  • هناك حيث قديماً طاب محفلُهُمْ

  • حلّ الندامى على أنماطها الجُدُد

  • عاد الربيعُ.. فلا ردّوا تحيّتَهُ

  • إلا بأحسنَ منها - دائمَ الأبد

  • بشعلةٍ في يديها.. روحُ شاعرهمْ

  • مثلَ الفَراشِ حواليْها مع الحَشَد

  • حتى إذا تَمَّ دَوْرُ الكأسِ بينهُمُ

  • تهتزّ أوتارُه من صوتها الغَرِد:

  • واضيعةَ الكأسِ يوماً إن عثرتُ بها

  • على رفاتي.. فلم أنعمْ برؤياها


أعمال أخرى إبراهيم العريض



المزيد...

العصور الأدبيه

نحن نستخدم كوكيز خاصه بنا و بأطراف أخرى لتحسين خبره المستخدم فى موقعنا و أيضا هى ضروريه لإتمام بعض العمليات التى يطلبها المستخدم على الموقع إذا إستمررت فى التصفح فسوف نعتبر أنك توافق على إستخدام الكوكيز. يمكنك الحصول على المزيد من المعلومات هنا. x