لا تصالح ( أمل دنقل )



  • -1

  • لا تصالحْ!

  • ..ولو منحوك الذهب

  • أترى حين أفقأ عينيك

  • ثم أثبت جوهرتين مكانهما..

  • هل ترى..؟

  • هي أشياء لا تشترى..:

  • ذكريات الطفولة بين أخيك وبينك،

  • حسُّكما - فجأةً - بالرجولةِ،

  • هذا الحياء الذي يكبت الشوق.. حين تعانقُهُ،

  • الصمتُ - مبتسمين - لتأنيب أمكما..

  • وكأنكما

  • ما تزالان طفلين!

  • تلك الطمأنينة الأبدية بينكما:

  • أنَّ سيفانِ سيفَكَ..

  • صوتانِ صوتَكَ

  • أنك إن متَّ:

  • للبيت ربٌّ

  • وللطفل أبْ

  • هل يصير دمي -بين عينيك- ماءً؟

  • أتنسى ردائي الملطَّخَ بالدماء..

  • تلبس -فوق دمائي- ثيابًا مطرَّزَةً بالقصب؟

  • إنها الحربُ!

  • قد تثقل القلبَ..

  • لكن خلفك عار العرب

  • لا تصالحْ..

  • ولا تتوخَّ الهرب!

  • -2

  • لا تصالح على الدم.. حتى بدم!

  • لا تصالح! ولو قيل رأس برأسٍ

  • أكلُّ الرؤوس سواءٌ؟

  • أقلب الغريب كقلب أخيك؟!

  • أعيناه عينا أخيك؟!

  • وهل تتساوى يدٌ.. سيفها كان لك

  • بيدٍ سيفها أثْكَلك؟

  • سيقولون:

  • جئناك كي تحقن الدم..

  • جئناك. كن -يا أمير- الحكم

  • سيقولون:

  • ها نحن أبناء عم.

  • قل لهم: إنهم لم يراعوا العمومة فيمن هلك

  • واغرس السيفَ في جبهة الصحراء

  • إلى أن يجيب العدم

  • إنني كنت لك

  • فارسًا،

  • وأخًا،

  • وأبًا،

  • ومَلِك!

  • -3

  • لا تصالح ..

  • ولو حرمتك الرقاد

  • صرخاتُ الندامة

  • وتذكَّر..

  • (إذا لان قلبك للنسوة اللابسات السواد ولأطفالهن الذين تخاصمهم الابتسامة)

  • أن بنتَ أخيك "اليمامة"

  • زهرةٌ تتسربل -في سنوات الصبا-

  • بثياب الحداد

  • كنتُ، إن عدتُ:

  • تعدو على دَرَجِ القصر،

  • تمسك ساقيَّ عند نزولي..

  • فأرفعها -وهي ضاحكةٌ-

  • فوق ظهر الجواد

  • ها هي الآن.. صامتةٌ

  • حرمتها يدُ الغدر:

  • من كلمات أبيها،

  • ارتداءِ الثياب الجديدةِ

  • من أن يكون لها -ذات يوم- أخٌ!

  • من أبٍ يتبسَّم في عرسها..

  • وتعود إليه إذا الزوجُ أغضبها..

  • وإذا زارها.. يتسابق أحفادُه نحو أحضانه،

  • لينالوا الهدايا..

  • ويلهوا بلحيته (وهو مستسلمٌ)

  • ويشدُّوا العمامة..

  • لا تصالح!

  • فما ذنب تلك اليمامة

  • لترى العشَّ محترقًا.. فجأةً،

  • وهي تجلس فوق الرماد؟!

  • -4

  • لا تصالح

  • ولو توَّجوك بتاج الإمارة

  • كيف تخطو على جثة ابن أبيكَ..؟

  • وكيف تصير المليكَ..

  • على أوجهِ البهجة المستعارة؟

  • كيف تنظر في يد من صافحوك..

  • فلا تبصر الدم..

  • في كل كف؟

  • إن سهمًا أتاني من الخلف..

  • سوف يجيئك من ألف خلف

  • فالدم -الآن- صار وسامًا وشارة

  • لا تصالح،

  • ولو توَّجوك بتاج الإمارة

  • إن عرشَك: سيفٌ

  • وسيفك: زيفٌ

  • إذا لم تزنْ -بذؤابته- لحظاتِ الشرف

  • واستطبت- الترف

  • -5

  • لا تصالح

  • ولو قال من مال عند الصدامْ

  • ".. ما بنا طاقة لامتشاق الحسام.."

  • عندما يملأ الحق قلبك:

  • تندلع النار إن تتنفَّسْ

  • ولسانُ الخيانة يخرس

  • لا تصالح

  • ولو قيل ما قيل من كلمات السلام

  • كيف تستنشق الرئتان النسيم المدنَّس؟

  • كيف تنظر في عيني امرأة..

  • أنت تعرف أنك لا تستطيع حمايتها؟

  • كيف تصبح فارسها في الغرام؟

  • كيف ترجو غدًا.. لوليد ينام

  • كيف تحلم أو تتغنى بمستقبلٍ لغلام

  • وهو يكبر -بين يديك- بقلب مُنكَّس؟

  • لا تصالح

  • ولا تقتسم مع من قتلوك الطعام

  • وارْوِ قلبك بالدم..

  • واروِ التراب المقدَّس..

  • واروِ أسلافَكَ الراقدين..

  • إلى أن تردَّ عليك العظام!

  • -6

  • لا تصالح

  • ولو ناشدتك القبيلة

  • باسم حزن "الجليلة"

  • أن تسوق الدهاءَ

  • وتُبدي -لمن قصدوك- القبول

  • سيقولون:

  • ها أنت تطلب ثأرًا يطول

  • فخذ -الآن- ما تستطيع:

  • قليلاً من الحق..

  • في هذه السنوات القليلة

  • إنه ليس ثأرك وحدك،

  • لكنه ثأر جيلٍ فجيل

  • وغدًا..

  • سوف يولد من يلبس الدرع كاملةً،

  • يوقد النار شاملةً،

  • يطلب الثأرَ،

  • يستولد الحقَّ،

  • من أَضْلُع المستحيل

  • لا تصالح

  • ولو قيل إن التصالح حيلة

  • إنه الثأرُ

  • تبهتُ شعلته في الضلوع..

  • إذا ما توالت عليها الفصول..

  • ثم تبقى يد العار مرسومة (بأصابعها الخمس)

  • فوق الجباهِ الذليلة!

  • -7

  • لا تصالحْ، ولو حذَّرتْك النجوم

  • ورمى لك كهَّانُها بالنبأ..

  • كنت أغفر لو أنني متُّ..

  • ما بين خيط الصواب وخيط الخطأ.

  • لم أكن غازيًا،

  • لم أكن أتسلل قرب مضاربهم

  • لم أمد يدًا لثمار الكروم

  • لم أمد يدًا لثمار الكروم

  • أرض بستانِهم لم أطأ

  • لم يصح قاتلي بي: "انتبه"!

  • كان يمشي معي..

  • ثم صافحني..

  • ثم سار قليلاً

  • ولكنه في الغصون اختبأ!

  • فجأةً:

  • ثقبتني قشعريرة بين ضعلين..

  • واهتزَّ قلبي -كفقاعة- وانفثأ!

  • وتحاملتُ، حتى احتملت على ساعديَّ

  • فرأيتُ: ابن عمي الزنيم

  • واقفًا يتشفَّى بوجه لئيم

  • لم يكن في يدي حربةٌ

  • أو سلاح قديم،

  • لم يكن غير غيظي الذي يتشكَّى الظمأ

  • -8

  • لا تصالحُ..

  • إلى أن يعود الوجود لدورته الدائرة:

  • النجوم.. لميقاتها

  • والطيور.. لأصواتها

  • والرمال.. لذراتها

  • والقتيل لطفلته الناظرة

  • كل شيء تحطم في لحظة عابرة:

  • الصبا - بهجةُ الأهل - صوتُ الحصان - التعرفُ بالضيف - همهمةُ القلب حين يرى برعماً في الحديقة يذوي - الصلاةُ لكي ينزل المطر الموسميُّ - مراوغة القلب حين يرى طائر الموتِ

  • وهو يرفرف فوق المبارزة الكاسرة

  • كلُّ شيءٍ تحطَّم في نزوةٍ فاجرة

  • والذي اغتالني: ليس ربًا..

  • ليقتلني بمشيئته

  • ليس أنبل مني.. ليقتلني بسكينته

  • ليس أمهر مني.. ليقتلني باستدارتِهِ الماكرة

  • لا تصالحْ

  • فما الصلح إلا معاهدةٌ بين ندَّينْ..

  • (في شرف القلب)

  • لا تُنتقَصْ

  • والذي اغتالني مَحضُ لصْ

  • سرق الأرض من بين عينيَّ

  • والصمت يطلقُ ضحكته الساخرة!

  • -9

  • لا تصالح

  • فليس سوى أن تريد

  • أنت فارسُ هذا الزمان الوحيد

  • وسواك.. المسوخ!

  • -10

  • لا تصالحْ

  • لا تصالحْ


أعمال أخرى أمل دنقل



المزيد...
نحن نستخدم كوكيز خاصه بنا و بأطراف أخرى لتحسين خبره المستخدم فى موقعنا و أيضا هى ضروريه لإتمام بعض العمليات التى يطلبها المستخدم على الموقع إذا إستمررت فى التصفح فسوف نعتبر أنك توافق على إستخدام الكوكيز. يمكنك الحصول على المزيد من المعلومات هنا. x