ألا كلُّ آتٍ قريبُ المَدى ( ابن هانئ الأندلسي )



  • ألا كلُّ آتٍ قريبُ المَدى

  • و كلُّ حياة ٍ إلى منتهى

  • و ما غرّ نفساً سوى نفسها

  • وعُمْرُ الفتى من أماني الفتى

  • فأقْصَرُ في العينِ من لَفْتَة ٍ

  • و أسرعُ في السمعِ من ذا ولا

  • ولم أرَ كالمرْءِ وهو اللبيبُ

  • يرى ملءَ عينيهِ ما لا يرى

  • و ليسَ النَّواظرُ إلاّ القلوبُ

  • وأمّا العيونُ ففِيها العمى

  • ومنْ لي بمثلِ سلاح الزّمانِ

  • فأسْطو عليه إذا ما سطا

  • يجدُّ بنا وهو رسلُ العنانِ

  • و يدركنا وهو داني الخطى

  • برى أسهماً فنبا ما نبا

  • فلم يبقَ إلاَّ ارتهافُ الظُّبى

  • تراشُ فترمى فتنمي فلا

  • تَحِيدُ وتُصْمي ولا تُدَّرى

  • أأهضمُ لا نبعتي مرخة ٌ

  • و لا عزماتي أيادي سبا

  • على أنّ مِثلي رحيبُ اللَّبانِ

  • على ما ينوبُ سليمُ الشظى

  • و لو غيرُ ريبِ المنونِ اعتدى

  • عليّ وجرّبني ما اعتدى

  • خليليّ هل ينفعنّي البكاءُ

  • أوِ الوَجدُ لي راجعٌ ما مضى ؟

  • خليليّ سيرا ولا تَربعَا

  • عليّ، فهَمّيَ غيرُ الثَّوى

  • ولي زَفَراتٌ تُذيبُ المَطَيّ

  • و قلبٌ يسدُّ عليّ الفلا

  • سلا قبل وشك النوى مدنفاً

  • أقَضّتْ مضاجِعهُ فاشتكى

  • وراعى النّجومَ فأعشَيْنَه

  • فباتَ يظنُّ الثّريّا السُّهى

  • ضلوعٌ يضِقنَ إذا ما نَحَطنَ

  • و قلبٌ يفيضُ إذا ما امتلا

  • وقد قلتُ للعارض المكفَهِرِّ:

  • أفي السِّلم ذا البرقُ أم في الوغى ؟

  • وما بالُه قادَ هذا الرّعيلَ

  • و قلّدَ ذا الصّارمَ المنتضى

  • و أقبلهُ المزنُ في جحفلٍ

  • و أكذبَ أن صدّعني الكرى

  • أشيمكَ يا برق شيمَ النُّجيمْ

  • وما فيك لي بَلَلٌ من صَدى

  • كِلانا طَوى البيدَ في ليلِهِ

  • فأضعفنا يتشكّى الوجى

  • فجبتَ الغمامَ وجبتَ الغرامَ

  • حنانيك ليس سُرى ً من سُرى

  • أعِنّي على الليل ليلِ التّمامِ

  • و دعني لشاني إذا ما انقضى

  • فلو كنتُ أطوي على فتكهِ

  • تكشّفَ صبحي عن الشَّنفري

  • و ما العين تعشقُ هذا السّهادَ

  • ووَدّ القَطا لو ينَامُ القَطا

  • أقولُ وقد شقّ أعلى السحابِ

  • و أعلى الهضابِ وأعلى الرُّبى

  • أذا الوَدْقُ في مثل هذا الرّباب

  • وذا البْرقُ في مثل هذا السنا

  • ألا انهلّ هذا بماءِ القلوبِ

  • وأوقدَ هذا بنارِ الحشا

  • فيهْمي على أقْبُرٍ لو رأى

  • مكارمَ أربابها ما هَمَى

  • و في ذي النواويسِ موجُ البحارِ

  • وما بالبحارِ إليْهِ ظِما

  • هلمّوا فذا مصرَعُ العالمينَ

  • فمن كلّ قلبٍ عليهِ أسى

  • وإنّ التي أنْجَبَتْ للورى

  • كآلِ عليّ لأمُّ الورى

  • فلوْ عِزّة ٌ أنْطَقَتْ مُلحَداً

  • لأنطقَ ملحدها ما يرى

  • بكتْه المغاويرُ بِيضُ السيوفِ،

  • و هذي العناجيجُ قبُّ الكلى

  • ولّما أتينا سقَتْه الدموعُ

  • فما باتَ حتى سقاه الحيا

  • وعُمْرُ الفتى من أماني الفتى

  • ولكنْ لبيكِ النَّدى بالنَّدى

  • وقد خدّ في الشمس أخدودَه

  • فباتَ يظُنُّ الثّريّا السُّهَى

  • وما ضَرّ من لم يَطُفْ بالمقامِ

  • وفي ذي النواويسِ مْوجُ البحارِ

  • وقالوا الحَجونُ فثَمّ الحجونُ

  • وثمّ الحطيمُ وثمّ الصَّفا

  • وبينَ الشمالِ وبين الجنوبِ

  • في هَبوَة ٍ من مَهَبّ الصبَّا

  • فيهْمي على أقْبُرٍ لو رأى

  • أما كان في واحدٍ ما كفى

  • أما والركوعُ به والسجودُ

  • إذا ما بكى َ قانتٌ أو دعا

  • لَذاكَ الصّعيدُ وذاك الكديدُ

  • أحقُّ من الخيفِ بي أو منى

  • عليّ وجرّبني ما اعتدى

  • وفي الذاهبينَ وفى منْ وفى

  • أتَتْه الحجيجُ من الرّاقصاتِ

  • فمنها فُرادى ومنها ثُنا

  • فما لي لا أقتدي بالكرامِ

  • وأُوثِرُ سُنّة َ مَن قد خلا

  • إذا ما نحرتَ به أو عقرتَ

  • ولا عَزَماتي أيادي سَبا

  • ولا ترضَ إلاّ بعقرِ الثناءِ

  • ونَحْرِ القَوافي وإلاّ فلا

  • وقلْبٌ يَسُدُّ عليّ الفَلا

  • عليه تكوسُ ذواتُ الشَّوى

  • إذاً لم تغادرْ غريْريّة ً

  • تَخُبُّ ولا سابحاً يُمتطَى

  • وأمّا العيونُ ففِيها العمى

  • وأخوالُه فيه شِرْعاً سُوى

  • وإنّ حصاناً نمتْ جعفراً

  • ويحيى لعاديّة ُ المنتمى

  • فجاءتْ بهذا كشمسِ النهارِ

  • وجاءت بهذا كبدرِ الدّجى

  • تَرى بهما أسَدَيْ جَحْفَلٍ

  • وما أجأ إلاّ حِصانٌ ويعبوب

  • ألمْ تَك من قوْمها في الصّميم

  • ومن مجدها في أشمّ الذُّرى

  • فمن قومكَ الصِّيدُ صيدُ الملوكِ

  • ومن قومها الأسدُ أسدُ الشرى

  • فوارسُ تنضي المذاكي الجيادَ

  • إذا ما قرعنَ العُجا بالعجا

  • يُضيءُ عليهمْ سَنا الأكرمينَ

  • إذا ما الحديدُ عليهم دجا

  • فجئتَ كما شئتَ من جانبَيك

  • فأنتَ الحياة ُ وأنتَ الرّدى

  • فصِلُّكَ يُرقى ولا يستجيبُ

  • فلو كنتُ أطْوي على فتكِهِ

  • ومن ذاك أضنيتَ صرفَ الزمان

  • فلم يُخفِهِ عنْكَ إلا الضّنى

  • فلم تغمدِ السيفَ حتى انثنى

  • ولم تصرفِ الرُّمحَ حتى انحنى

  • وإنّ الذي أنتَ صنوٌ له

  • لماضي العزائمِ عردُ النَّسا

  • يُبيرُ عِداكَ إذا ما سَطَا

  • ويُعرَفُ فيهم إذا ما احتبى

  • ويحيَى لَعاديّة ُ المنتمى

  • إذا سألوا من فتى ً قيلَ ذا

  • بنو المنجِباتِ بنو المُنجِبينَ

  • فمن مُنجتباة ٍ ومنم مجتبى

  • لأماتنا نصفُ أنسابنا

  • فما ليَ لا أقتدي بالكِرامِ

  • دعائمُ أيامنا في الفخارِ

  • وأكْفاءُ آبائِنا في العُلى

  • ألمْ ترَ هنّ يباريننا

  • فيَمرُقْنَنَا ويَنَلْنَ المدى

  • كفلنَ لنا بظلالِ الخيام

  • وأكفَلَننَا بظِلالِ القَنا

  • وتغدو فمنهنّ أسماعُنا

  • وأبصارنا في حجالِ المها

  • فلو جازَ حكميَ في الغابرينَ

  • وعدّلْت أقسامَ هذا الوَرَى

  • لسمّيتُ بعض النساء الرجالَ

  • وسمّيتُ بعضَ الرجال النسا

  • إذا هي كانتْ لكشفِ الخطوبِ

  • فكيفَ البنون لضَرْبِ الطُّلى

  • تولّتْ مُرَقِّلَة ً للملوكِ

  • فمن مصطفى النجل أو مرتضى

  • وأكثرُ آمالِها فيكما

  • وفي القلبِ منها كجمرِ الغضا

  • فقد أدركتْ ما تمنّتْ فلا

  • تضيقا عليها بباقي المُنى

  • فلولا الضّريحُ لنادتكما

  • تُعيذُ كما من شماتِ العِدى

  • فإمّا تزيدانِ في أنسها

  • وإما تذودانِ عنها البِلى

  • فقد يُضحك الحيُّ سنّ الفقيدِ

  • فتهتَزُّ أعظُمُه في الثرى

  • ومهما طلبتَ دليلَ الكرامِ

  • فإنّ الدّليلَ ائتلافُ الهوى

  • وما فيك لي بَلَلٌ من صَدى

  • فما بيدٍ عن يدٍ من غنى

  • وليسَ الرّماحُ بغيرِ السيوفِ

  • وليس العمادُ بغيرِ البنا

  • ومن لا يُنادي أخاً باسمِهِ

  • فليس يخافُ ولا يُرتجى


أعمال أخرى ابن هانئ الأندلسي



المزيد...