| وفَى ليَ فيكَ الدمعُ إذ خانني الصبرُ، |
|
| وأنجَدَ فيكَ النّظمُ إذ خُذِلَ النّصرُ |
|
| وأضحتْ تقولُ الناسُ والدستُ والعلى : |
|
| كذا فليجلّ الخطبُ وليفدحِ الأمرُ |
|
| توفيتِ الآمالُ بعدَ محمدٍ، |
|
| وأصبحَ في شغلٍ عن السفرِ السفرُ |
|
| وزالتْ حصاة ُ الحلمِ عن مستقرّها، |
|
| وأصبحَ كالخنساءِ في قلبهِ صخرُ |
|
| وساوَى قلوبَ النّاسِ في الحُزنِ رزؤه |
|
| كأنّ صدورَ الناسِ في حزنِها صدرُ |
|
| فإن أظلمتْ أرضُ الشآمِ لحزنهِ، |
|
| فلَم يَخلُ من ذاكَ الصّعيدُ ولا مصرُ |
|
| قضَى الناصرُ السلطانُ من بعدِ ما قضَى |
|
| فروضَ العُلى طُرّاً، وسالمَهُ الدّهرُ |
|
| ولم يُغنِ عنه الجأشُ والجيشُ واللُّهَى |
|
| وفرطُ النُّهَى والحكمُ والنّهيُ والأمرُ |
|
| ولا الخَيلُ تَجري بينَ آذانِها القَنا، |
|
| لحربِ العدى والدُّهمُ من دمهم حمرُ |
|
| لدى معركٍ خاضتْ به الخيلُ في الوغى |
|
| من الدّمِ فيما خاضتِ البيضُ والسمرُ |
|
| كأنْ لم يَقُدها في الهِياجِ عَوابِساً، |
|
| بكلّ كَميٍّ ضمّ في قَلبِهِ الصّدرُ |
|
| ولم ترجعِ البيضُ الصفاحُ من العدى |
|
| مُخَضَّبَة ً، والبَرّ من دَمِهمْ بحرُ |
|
| ولم يتركِ الأبطالَ صرعَى ، وغسلُها |
|
| دماها، وأحشاءُ النسورِ لها قبرُ |
|
| ولا صَنَعَتْ فيها ظُباهُ مآدِباً، |
|
| فأصبحَ من أضيافهِ الذئبُ والنسرُ |
|
| ولا أخذَتْ منهُ الملوكُ لسلِمِه |
|
| زِمامَ الرّضَى ممّا يُقَلِقِلُها الذعرُ |
|
| ولا مهدَ الإسلامُ عندَ أضطرابِهِ، |
|
| فأصبحَ مشدوداً بهِ ذلك الأزرُ |
|
| ولا قلدَ الأعناقَ من فيضِ جودِه، |
|
| قلائدَ برٍّ لا يقومُ بها الشكرُ |
|
| ولا جَبَرَتْ كَفّاهُ في كلّ بلدَة ٍ |
|
| كَبيرَ كِرامٍ ما لكَسرِهمُ جَبرُ |
|
| ألا في سبيلِ المجدِ مهجة ُ ماجدٍ |
|
| يُشارِكُنا في حُزنِهِ المَجدُ والفَخرُ |
|
| كَريمٌ أفادَ الدّهرُ منهُ خَلائِقاً، |
|
| فأيّامُهُ منهُ مُحَجَّلَة ٌ غُرّ |
|
| يروعُ جيوشَ الحادثاتِ يراغُهُ، |
|
| ويُفني الأعادي قَبلَ أسيافِهِ الذّكرُ |
|
| إلى بابهِ تسعَى الملوكُ، فإن عدتْ |
|
| تعدّى إليها القتلُ والنهبُ والأسرُ |
|
| لقدْ شهدتْ أهلُ الممالكِ أنّهُ |
|
| مَليكٌ لهُ مِن فوْقِ قَدرِهمُ قَدْرُ |
|
| قويُّ إذا لانوا، سريعٌ إذا ونوا، |
|
| صَؤولٌ إذا كَرّوا، ثَبوتٌ إذا فرّوا |
|
| كأنّ أديمَ الرضِ قدَّ من اسمهِ، |
|
| فَما وُجِدتْ إلاّ وفيها لهُ ذِكرُ |
|
| يجولُ ثناهُ في البلادِ كأنّه |
|
| وشاحٌ، ومجموع القاعِ له خصرُ |
|
| وما كان يدري من تيممَ جودهُ |
|
| ونكبَ لجَّ البحرِ أيهما البحرُ |
|
| مَفاتحُ أرزاقِ العِبادِ بكَفّهِ، |
|
| فيُمنى بها يُمنٌ، ويُسرَى بها يُسرُ |
|
| فتًى كانَ مثلَ الدّهرِ بَطشاً وبَسطة ً، |
|
| يُرَجّى ويُخشَى عندَهُ النّفعُ والضّرّ |
|
| فتًى طبقَ الأرضَ البسيطة َ جودهُ، |
|
| ففي كلّ قطرٍ من نداهُ بها قطرُ |
|
| فتًى لَفظُهُ مع رأيِهِ ونَوالِهِ، |
|
| يجيءُ ارتجالاً لا يغلغلهُ الفكرُ |
|
| فتًى يَكرَهُ التّقصِيرَ حتّى تظُنَهُ، |
|
| يكونُ حراماً عندهُ الجمعُ والقصرُ |
|
| فتى ً ذخرَ الحسنى ، فأعقبَ فعلهُ |
|
| عواقبَهُ الحُسنى ، فقد نفَعَ الذّخرُ |
|
| طواهُ الثّرى من بعدِ ما شَرُفَ الثّرَى |
|
| بوَطأتِهِ، والتّختُ والدّستُ والقصرُ |
|
| لوم نرَ بدراً قبلهُ غابَ في الثّرى ، |
|
| ولم نَرَ طَوداً قَبلَهُ ضَمّهُ القَبرُ |
|
| وقد كان بطنُ الأرضِ يغبطُ ظهرَها |
|
| عليه، فأمسَى البَطنُ يَحسدُهُ الظّهرُ |
|
| أحاطَ بهِ الآسونَ يبغونَ طبّهُ، |
|
| وقد حارَتِ الأفهامُ واشتغَلَ السّرّ |
|
| وراموا بأنواعِ العقاقيرِ برأهُ، |
|
| وهل يُصلحُ العطّارُ ما أفسدَ الدّهرُ |
|
| وكيفَ يردّ الطّبُّ أمراً مُقَدَّراً، |
|
| إذا كانَ ذاكَ الأمرُ ممّنْ لهُ الأمرُ |
|
| ومما يسلّي النفسَ حسنُ انتقالِه، |
|
| عفيفَ إزارٍ لا يناطُ بهِ وزرُ |
|
| وإنّ لنا من بحدِهِ من سليلهِ |
|
| مليكاً بهِ عن فقدهِ يحسنُ الصبرُ |
|
| فإنْ غابَ ذاكَ البَدرُ عن أُفقٍ مُلكِهِ |
|
| فقد أشرَقتْ من نجلِهِ أنجمٌ زُهرُ |
|
| وسرّ العُلى ما أسمعَ الناسُ عنهمُ، |
|
| وقالَ الوَرى قد صَدّقَ الخبرَ الخُبرُ |
|
| فإنْ فلتِ الأيامُ حدّ محمدٍ، |
|
| فقد جَرّدَتْ سَيفاً به يُدرَكُ الوِترُ |
|
| وإن أحدثتْ بالناصرِ الملكِ زلَّة ً، |
|
| فبالملك المَنصورِ قامَ لها العُذرُ |
|
| فيا دوحة َ المجدِ الذي عندما ذوتْ |
|
| سمَتْ ونمتْ في المجدِ أغصانُها لكَ |
|
| لكَ اللهث كم قلدتنا طوقَ منة ٍ، |
|
| فتلكَ كعدّ القطرِ ليسَ لهُ حصرُ |
|
| لقد عزّ فينا بعدَ وجدانِكَ الغنى ، |
|
| كما ذلّ فينا قبلَ فقدانِكَ الفقرُ |
|
| ترتبتِ الأحزانُ فيكَ مراتباً |
|
| بقلبي، ورقمُ الصبرِ من بينِها صفرُ |
|
| ولمّا نَظَمتُ الشّعرَ فيكَ قَلائِداً، |
|
| تمنتْ نجومُ الليلِ لو أنّها شعرُ |
|
| سأبكيكَ بالأشعارِ، حتى إذا وهتْ |
|
| سلوكُ عقودِ النظمِ أنجدني النثرُ |
|
| عليكَ سَلامُ اللَّهِ ما ذُكِرَ اسمُكم، |
|
| وذلكَ بَينَ النّاسِ آخرُهُ الحَشرُ |